نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة يس

الجزء ١٤ · صفحة ٣٠٢

وبمقتضى قول الله هذا فقد ثبت على أكثرهم أنهم لا يؤمنون مهما وجهت إليهم وسائل الإنذار، والمراد بهم هم أئمة الكفر من مشركي مكة ومن ورائهم سواد القوم من أتباعهم، وفي هذا الحكم الرّباني تيئيس لرسول الله من إيمان أولئك الكبراء حتى يوجّه طاقته التبليغية إلى غيرهم ممن لهم قابلية التلقي والإذعان.

ولبيان شدة إصرارهم على الكفر رسم الله مشهدا حسّيا يعكس حالتهم النفسية كأنهم مغلولون، وقد شدت أيديهم على أعناقهم، فهم ممنوعون من النظر مغشيّا على أبصارهم فقال تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمُ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى الاَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ، وَجَعَلْنَا مِنم بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سُدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سُدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ).

والأغلال جمع غل، وهو ما تقيّد به الأيدي وتشدّ إلى الأعناق، والقيد هو ما تشدّ به الأرجل. والأذقان: جمع ذقن، وهو مجتمع اللحيتين، والمعنى: إنا جعلنا أيديهم مشدودة إلى أعناقهم، فيكون الضمير (فَهِيَ) عائد إلى الأيدي، وهي مفهومة من الصورة نفسها في قوله تعالى: (وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً اِلَى عُنُقِكَ) (الإسراء:29). وينتج عن هذه الصورة الفظيعة رفع الرؤوس إلى الأعلى قهرا فلا يرى صاحبها ما أمامه، وقد أفاد هذا المعنى قوله تعالى: (فَهُم مُّقْمَحُونَ)، لأن أقمح هو بمعنى رفع رأسه إلى الأعلى، والصورة كلها هي كناية على أنّ الكفار لا يرون طريق الهدى إذ هم بطبيعتهم ينفرون عن الخير.

وللمبالغة في تصوير حرمانهم من الاهتداء كرر الله فعل "الجعل" الذي يدل على الأمر التكويني الأزليّ إذ قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنم بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سُدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سُدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ).

٤٬٦١٤ / ٦٬٧٦٧