سورة الفتح
الجزء ١٨ · صفحة ٥٨ثم إن ذلك البذل للأموال إنما يعود بالنفع عليكم وحدكم لأن الله الغنيّ وأنتم الفقراء، هكذا بصيغة القصر، فإن الغني الحقيقي المطلق هو لله تعالى فهو الذي رزقكم تلك الأموال ولو شاء لحبسها عنكم، وهو الغنيّ عن أجوركم التي يدّخرها لكم إن أطعتموه في البذل، وخصّ الله تعالى الأموال بالذكر من متاع الدنيا لأنه شريان الحياة ولأنه المحك الصادق لإختبار مصداقية الإيمان ثم يأتي في ختام السورة ما يعدّ القول الفصل في تمحيص الجماعة المسلمة إذ امتن الله عليها بحمل هذه الرسالة الخاتمة فإمّا أن يكونوا أهلالها في القيام بحقها وتحمّل أعبائها فلهم من الله العون والتوفيق، وإذ أفرّطوا في حقها بخلا بالأموال والأنفس للجهاد في سبيل الله فإنه تعالى قادر على أن يضع أمانة هذا الدين في يد غيركم ممن لا ينقض عهدا ولا يخلف وعدا ثم لا يكونون مثلكم في التقصير والتخلّي، وهذا كقوله تعالى:
أ) - (اِنْ يَّشَا يُذْهِبْكُمُ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَاتِ بِئَاخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَالِكَ قَدِيرًا) (النّساء:133).
ب) - (إِنْ يَّشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَاتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ* وَمَا ذَالِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ) (إبراهيم: 19 - 20).
وإنه لتحذير رهيب لا يشعر به إلا من ذاق حلاوة الإيمان، وعرف قيمة ذلك التكريم الإلاهيّ في جعله الإنسان خليفته في الأرض يحمل بين جنبيه ذلك النور الإلاهي ويسرس في كيانه روح الوجود متصلا بالملإ الأعلى غير آيات القرآن تدبّرا وفهما وتجاوبا.
فاللهم ارحمنا وارفع درجاتنا بالقرآن العظيم واجعله لنا إماما ورحمة وهدى ونورا -يا أرحم الراحمين-.
-والله أعلم-
أتممت تفسير سورة "محمد" تأليفا ودرسا على منبر المسجد ليوم السبت 12 رجب 1433هـ فلله الحمد والشكر على العون والتوفيق وتليها سورة "الفتح"
سورة الفتح، مدنيّة، وآياتها 29
بسم الله الرحمن الرحيم
بين يديّ السّورة الكريمة: