نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الصّافّات

الجزء ١٤ · صفحة ٣٦٩

وبعد سوق تلك الأدلة المقنعة لبيان قدرة الله تختتم السورة الكريمة ببيان الحقيقة الكونية الجامعة بأمره التكويني الذي يعبّر عنه العلماء بقولهم: "أمره بين الكاف والنون". وهذا التعبير يدل على فورية الاستجابة لأمر الله متى تعلقت إرادته بخلق شيء مهما عظم أو حقر: (إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئًا اَنْ يَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ).

وبعيدا عن خلافات العلماء في تفسير مضمون: (كُن فَيَكُونُ)، فإنها من أسرار الخليقة التي لا نستطيع فك ألغازها، بل نكل فيها الأمر إلى الله وهو القائل لنا في هذا المجال: (وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) (الإسراء:85).

وما لنا إلاّ أن نسبّح بحمد الله ونعظّمه ونصفه بما هو أهل له مردّدين مع ضمير الوجود كله: (فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).

فالتسبيح لله هو تنزيهه وتقديسه عن كل ما لا يليق بجلال ألوهيته وعظيم سلطانه الذي دلّ عليه لفظ: (مَلَكُوتُ)، وهو مبالغة لكلمة "ملك" -بكسر الميم- فما من شيء في الأرض ولا في السماء حيّا كان أو جامدا إلا وهو في حيّز ملكه يتصرف فيه كيف يشاء، وقد اقتضت حكمته وعدله أن نرجع إليه في النشأة الثانية للحساب والجزاء.

فليعتقد الإنسان ما يشاء، وليفتتن بعلمه كيفما شاء، فإن هذه الحقيقة الوجودية لا يمكن جحودها ولا ردّها لأنها مما هو مستكن في الفطرة الإنسانية وإن استبعد الناس إتيانها بحكم استقرار نظام الكون واتساقه إلى ما يشاء الله، فاللهم إننا لا نملك -نحن المؤمنين- إلا أن نقول: إنا لله وإنا إليه راجعون.

وهكذا ينسجم ختام السورة بما أكده الله في أولها ووسطها من حياة البعث والنشور.

والله أعلم

تمت

سورة الصّافّات، مكيّة، وآياتها 182

بين يدي السّورة الكريمة:

٤٬٦٨١ / ٦٬٧٦٧