سورة النّجم
الجزء ١٨ · صفحة ٢٤٥ثم فرّع الله على الأمر بالصّبر قوله لرسوله: (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا)، فقد علل أمره بالصبر بكونه على أعين الله بالحفظ والرعاية لا يضرّه أذى الناس؛ لأنه تعالى عاصمه منهم، وفي هذا التعبير منتهى التكريم والتعظيم للرسول خصّه به الله مما لم يذكر مثيله لأحد من رسله من قبله حتى لموسى عليه السلام، إذ قال له: (وأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِيَ) (طه:39). لأن هذا التعبير في حق رسول الله يمتاز عنه بأمرين:
أ) - يجمع لفظ "عين" الذي كنى به عن منتهى الرعاية والحفظ، فهي أعين لا عين واحدة، فهو في كنف الله مهما تنوعت الإذايات وتعدّدت المكائد.
ب) - واختيرت في التعبير نون العظمة بدلا عن الضمير المفرد، فيا له من تكريم ويا له من منزلة رفيعة عند الله. يؤدي الرسول شكرها بالتنزيه والتحميد لله في جميع الأوقات وعلى كل الأحوال.
(وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ): ولا يقتصر القيام هنا للصلاة أو القيام من النوم، بل الأرجح هو التعميم في التسبيح لله في كل الأوقات، وفي جميع الأحوال.
وأما قوله: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ) ففيه تخصيص للقيام من النوم بصفة عامة، ولوقت السحر بصفة خاصّة، وبذلك يغطي الأمر بالتسبيح لله كل الأوقات من الليل والنهار، فيكون اللسان رطبا بذكر الله، ولذلك كان الرسول كلما قام من مجلس أو تقلّب في فراشه إلاّ وقال كما روى عنه: «سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك».(1)
وللتسبيح لله أدعية كثيرة وأفضلها تلك التي وردت في القرآن على ألسنة الملائكة أو الرسل، والله أعلم.
سورة النّجم، مكيّة، وآياتها 62
بين يدي السّورة الكريمة:
(1) 1 - الحديث: رواه الترمذي.