نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة يس

الجزء ١٤ · صفحة ٣٠٥

على ذكر الفريقين المتقابلين في التأثر بالإنذار وعدمه، وبيان عاقبة كلّ فريق، أعقب الله ذلك بتحقيق البعث وإحياء الموتى في أدقّ تخلّص يقتضيه المقام، فجاء هذا الاستئناف الابتدائي بقوله تعالى: (اِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى) هكذا بضميري العظمة "نا" و"نحن"، مؤكدا بـ"إنّ" وضمير الفصل مراعاة لأحوال منكري البعث، وهي قضية إيمانية أساسية حفلت بها السورة الكريمة بكيفية خاصّة، فالله ينذرهم بإحيائهم بعد الموت للجزاء وفصل القضاء بأسلوب التوكيد والحصر، وأنه تعالى يكتب بأمره للحفظة الكاتبين من الملائكة، يكتبون ما قدّموه من أعمال خيرها وشرّها، ويثبتون ذلك في صحائف أعمالهم، والتعبير بـ (قَدَّمُوا) يدلّ على ما يسبّقه الإنسان من أعمال يجدها أمامه ذخرا تنتظره إن خيرا أو شرّا كما جاءت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى: (يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) (الحشر:18). وأما الآثار فهي الأعمال التي تبقى بعد الإنسان سواء كانت أعمال خير أو شرّ، كما ورد في الحديث الذي رواه مسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»(1).

وكما قال الشاعر:

تلك آثارنا تدل علينا … فانظروا بعدنا إلى الآثار.

ومن الآثار التي يذكر بها الإنسان بعد موته أن يسن سنة حسنة يتبعها الناس فيكون له بها أجر، أو يسن سنة سيئة يكون عليها وزر كما ثبت في حديث آخر، فالله تعالى لا يهمل شيئا من أعمال المكلّفين.

(1) 1 - أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة، كتاب (25) الوصية، باب (3) ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، رقم 1631.

٤٬٦١٧ / ٦٬٧٦٧