سورة يس
الجزء ١٤ · صفحة ٣١٤ب) - أكّد على صدق أولئك الرسل بأنهم لا يطلبون في دعوتهم أجرا على ما يقولون، وليست لهم مصالح شخصية في ذلك، بل هم صادقون في دعوتهم، إذ لا يكذب من لا يطلب من عمله أجرا ولا نفعا، وإلا فما الذي يجعلهم يتحملون عناء الدعوة الجديدة ويتحدّون الناس في ما ألفوه؟.
ج) - (وَهُم مُّهْتَدُونَ): في دعوتهم إلى النهج السويّ، الذين جعلوا من أخلاقهم وسلوكهم ومعاملاتهم مثالا يقتدى بهم.
ويبدو أن القوم عرفوا ذلك منهم ويبدو من إجاباته المصدّرة بالإستفهامات الإنكارية التعجبية أن القوم حاوروه وجادلوه هو الآخر بعنف، إذ جعل من نفسه الرائد على نهج الصراط المستقيم الذي يدعو إليه رسل الله، فهو يتحدث عن نفسه معبّرا عما يختلج فيها من خواطر الإيمان الصحيح المنبثقة عن الفطرة السليمة حين تتيقظ وتحنو إلى خالقها في خضوع وإجلال وأنه هو مصدر الوجود وإليه المنتهى إذ قال في يقين وثبات: (وَمَا لِي لآَ أَعْبُدُ الذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).
فيلاحظ من خلال إجابته أنّه قد اعتمد مع قومه الجاحدين أسلوب: "إياك أعني واسمعي يا جارة"، فهو إذ يتحدث عن نفسه بما اقتنع به من وحدانية الله وانفراده بالخالقية، فقد أقحمهم معه عند الحديث عن اليوم الآخر إذ قال: (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) بصيغة الجمع، وهو أسلوب ذكي لا يستفزّ الخصم ولا يثير حفيظته عند الحوار، فهو يتساءل عمّا يجعل الإنسان ينحرف عن داعي الفطرة، وهو يدعو إلى المعبود الحقّ الذي هو مصدر الوجود وإليه المصير.
ولم يغفل الرّجل المؤمن أن يستعرض المنهج المنحرف الذي عليه قومه من عبادة الآلهة الباطلة، يستعرضه بنفس الأسلوب الحكيم، مقرونا بحجة مقنعة، بأنّها لا تستطيع أن تحميه مما قد تقع فيه من ضرّ قدّره الله عليه فلا أضلّ ممن يدع المعبود الحق ويتمسك بالمعبودات الباطلة التي لا تنفع ولا تضرّ.