نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة يس

الجزء ١٤ · صفحة ٣٦٨

وما يزال الإنسان يطوّر أساليب قدح النار حتى توصّل اليوم إلى عود الثقاب الصغير، وأما حطب الأشجار بصفة عامة، فهو الوقود الطبيعي لما يخزّنه من غاز الكربون في تنفسّه فيتجمّد في الأغصان والجذوع والأوراق، فمثل هذه الوظائف الطبيعية هي من قدرة الله الذي يخرج الحيّ من الميّت ويخرج الميّت من الحيّ، قال تعالى في سورة الواقعة: (أَفَرَآيْتُمُ النَّارَ التِي تُورُونَ، ءَآنتُمُ أَنشَاتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ، نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ) (71 - 73)، فهذا الدليل المشاهد كفيل بأن يبدّد حيرة أولئك المعاندين، فليتهم يصدّقون.

ثم يضيف الله دليلا آخر هو أدعى للتأمّل والاعتبار فقال: (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَّخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ).

يلاحظ الارتقاء في الاستدلال على قدرة الله من الأشياء الصغيرة إلى أضخم المخلوقات من السماوات والأرض، وهي في منظورنا الضيّق المحصور ما يسميه الفلكيون بالمنظومة الشمسية، ومن توابعها هذه الأرض التي جعلها الله مهادا للإنسانية.

فما قيمة هذا الإنسان الخصيم لربّه بالنسبة إلى الأرض بمكوناتها، ثم ما قيمة هذه الأرض بالنسبة للمجموعة الشمسية وما بعدها من مكونات المجرّات الواسعة الضخمة في فضاء الكون، وهل الله الخالق لكل ذلك عاجز عن أن يعيد خلقة ذلك الإنسان مرة أخرى ليوم الحساب والجزاء؟.

كلاّ، بل هو غرور هذا الإنسان وكبرياؤه جعلته يعاند ويكابر، وإلا فإنه تعالى هو الخلاق العليم، يخلق ما يشاء وهو بكل خلق عليم، هكذا بصيغة المبالغة التي تناسب هذا المقام، قال تعالى في سورة غافر: (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) (57).

٤٬٦٨٠ / ٦٬٧٦٧