نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الصّافّات

الجزء ١٤ · صفحة ٣٨٢

أمّا ادّعاؤهم السّحر ووصفهم لرسول الله به فقد تكرّرت إجابتهم بذلك في كثير من المواقف، غير أن التعبير بـ (يَسْتَسْخِرُونَ) زيادة على المبالغة فيه معنى الطلب أيضا، وذلك بدعوة أتباعهم إلى إظهار السخرية من تلك الآية لصدّهم عن التأثر بها، وصيغة المضارع تدلّ على التّكرار والتّجدّد، ومثلوا للآية الخارقة بانشقاق القمر على عهد رسول الله، وله معجزات كثيرة غيرها، قال تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ، وَإِنْ يَّرَوَا -ايَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ) (القمر:1 - 2).

وهذه الشّبهة التي يكرّرونها بصيغة الاستغراب والاستبعاد هي حجّة واهية؛ لأنّ الاستغراب من شيء لا يدلّ على بطلانه واستحالة تحقيقه، وقد قامت عليهم الحجة اليقينية من الله على قدرته فلجّوا في عنادهم وإعراضهم، ولذلك أمر الله رسوله أن يجيبهم بالأسلوب الحكيم بأن يقول لهم: نعم، تبعثون وأنتم صاغرون أذلاّء، فليت أمركم يقتصر على مجرّد البعث مع جملة الخلائق ولكنه بعث مقرون بالذّلّة والهوان، ومن ورائه العذاب والشقاء الأبدي.

ثم بيّن الله أن ذلك وشيك الحصول، فقال: (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ، وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ، هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ).

والزجرة هي الصّيحة، وُصفت بالواحدة لتأكيد معنى المرّة، والمراد بها نفخة البعث ليوم النشور كما قال تعالى: (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ) (الزمر:68)، وجاء التعبير بـ"إذا" الفجائية، مقرونة بـ"فاء" التعقيب للدلالة على السرعة، وعلى كمال إعادة خلقتهم كاملة فهم شاخصوا الأنظار لشدة الهول، وإذ صدموا بما ينظرون فهم يُنادي بعضهم بعضا نداء التّفجّع والنّدب لسوء حالهم، وهم يشيرون إلى يوم الجزاء وفصل القضاء: (هَذَا يَوْمُ الدِّينِ).

٤٬٦٩٤ / ٦٬٧٦٧