سورة الصّافّات
الجزء ١٤ · صفحة ٣٨٧ولا أعسر على المجرم -وهو في قفص الاتهام- من إعناته بمختلف الأسئلة لإثبات إدانته، وليس لهؤلاء المجرمين يومئذ من وليّ ولا نصير، وإذ هم في حيرة من أمرهم يمعن ملائكة العذاب في إهانتهم وإذلالهم بقولهم: (مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ)، إنه سؤال تعجيب لا تنتظر الإجابة عنه، إذ كانوا في الدنيا يتناصرون ضدّ أصحاب رسول الله، وهاهم اليوم عاجزون أمام قضاء الله لا يملكون حولا ولا قوة: (بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ)، فهم لا يملكون غير الاستسلام والانقياد، فقد أبطل الله كلّ أنواع التناصر الذي كان بينهم في الدنيا، لا يملكون حيلة ولا يهتدون سبيلا، فقد زال ذلك التطاول الذي كانوا يتظاهرون به على المسلمين حتى قال أبو جهل يوم بدر: (نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ) (القمر:44).
(وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ، قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَاتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ، قَالُوا بَل لَّمْ تَكُونُوا مُومِنِينَ، وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانِم بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ، فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ إِنَّا لَذَآئِقُونَ، فَأَغْوَيْنَاكُمُ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ):
وفي غمرة العذاب والشقاء والظالمون على درجات متفاوتة في حجم الجريمة وصحائفهم لا تغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصتها، فهم بين أتباع ومتبوعين يواجه بعضهم بعضا بالتلاحي والتلاؤم، كل منهم يلقى تبعيته على الآخر في حوار مسعور لا يخفف من العذاب شيئا، وقد ورد مثل هذا الحوار في كثير من مشاهد يوم القيامة في القرآن الكريم، ورد بأساليب مختلفة تشخّص الطبائع البشرية في التخاصم والتلاؤم.
ولا شك أن الفريق المغبون هو الفريق المستضعف من الأتباع المغمورين، وهم الذين يواجهون الكبراء والسادة باللّوم والعتاب لما كانوا يلاقون منهم من الضغوط والإعنات، وبالتالي فهم الذين يفاتحون الكبراء بالحوار.