سورة الصّافّات
الجزء ١٤ · صفحة ٣٩٤كان من أساليب القرآن البيانية كلما تعرّض لمشهد من مشاهد يوم القيامة لبيان أحوال فريق من الخلائق نعيما وهناء أو عذابا وشقاء، إلا وقابل بينهما في ذلك العرض، فبعد أن ذكر الله في النّصّ السّابق تغبّن الكفّار والتلاوم الذي يقع بين الأتباع والمتبوعين، وكيف أنهم يشتركون في العذاب، ولا يجزون إلا ما كانوا يعملون، استثنى الله في مفتتح هذا النّصّ العباد المخلصين لطاعته، وبيّن كيف أنهم مستنقعون في ألوان من نعيم الجنة المادي المتمثل في طيب المأكل والمشرب، وفي متعة المنكح، وكيف يستأنسون بأحاديث الذكريات الدنيوية فقال تعالى: (إِلاَّ عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ، أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ، فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ، فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ، يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ، بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ، لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ، وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ، كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ).
هذا الاستثناء منقطع هو في معنى الاستدراك للتقابل بالتضاد بين ما قبله وما بعده، فبعد تلك اللّقطات المخزية المتعلقة بالكفرة المعرضين المكذبين بدعوة رسول الله، جاء العرض الهنيء المشوّق لأحوال عباد الله المخلصين، وفي إضافة صفة عبوديتهم لله تعالى تشريف وتنويه بعلوّ منزلتهم عنده، وزيادة وصف "الإخلاص" على القراءتين -أي بفتح اللام أو كسرها- زيادة إكرام، وإشادة بتلك الصفة التي تضمن حسن الرضى والقبول عند الله: (قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي) (الزمر:14). فهذا الفريق من خلق الله هم المستحقون بجدارة لذلك الجزاء العظيم ماديّا ومعنويّا وقد لخصه الله بقوله: (لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ، فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ، فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ).