سورة الصّافّات
الجزء ١٤ · صفحة ٤١٦والسمة البارزة التي جعلت من إبراهيم خليلا للرحمن هي تلك الصفة الجامعة للكمال النفسيّ والنقاء الروحيّ المعبّر عنه في قوله: (إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)، "إِذْ" ظرف للماضي متعلق بمحذوف تقديره: اذكر، وأطلق المجيء لربّه على وجه التمثيل، وهو كناية عن التوجّه الخالص والخاشع لله وحده، وإفراد العبادة له، فلا شرك ولا شكّ في معتقده نحو الله، ولا دباغ سوء من أمراض القلوب نحو عباده، فهي النقاوة والطهارة والصفاء من كل الأدران النفسية، لأنّ القلب هو مستودع الأنوار الرّبّانية، ومرتكز المكتسبات الإرادية كما قال رسول الله وهو يضرب على صدره: «التقوى هاهنا، التقوى هاهنا».(1)
وسلامة القلب هي طوق النجاة في موقف الحساب والجزاء كما ورد في سورة الشعراء: (يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ، إِلاَّ مَنَ اَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (88 - 89).
وبذلك القلب السليم استنكر إبراهيم ما كان عليه قومه من مظاهر الشرك فصارحهم بذلك عندما قال: (اِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ، أَيفْكًا -الِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ، فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ).
وجملة: (اِذْ قَالَ لأَبِيهِ) بدل من جملة: (إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)، إن هذا الإنكار التوبيخي لأبيه وقومه في عبادة الأصنام هو ردّة فعل تلقائية لذي الفطرة السليمة إذ يرى السفاهة والضلال في ممارسة قومه لتلك العبادة الباطلة، واعتبر ذلك إفكا، أي كذبا فاحشا.
(1) 1 - أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة، كتاب (45) البر والصلة والآداب، باب (10) تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله، رقم 4650.