سورة الصّافّات
الجزء ١٤ · صفحة ٤٤٩وإذ تتبرأ الملائكة مما يقوله الكفار فهم يتشرفون بما لكل واحد منهم من مرتبة معلومة عند الله في العبادة والطاعة والانقياد لأوامر الله والخشوع لعظمة الله، فمنّا الصّافون في خشوع وتذلل لله، وإنا لنحن المسبّحون المنزهون لله عما لا يليق به كما روى أبو ذرّ عن رسول الله أنه قال: «إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطّت السماء وحُقّ لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيها ملك واضع جبهته ساجد لله».(1)
وكان عمر رضي الله عنه إذ قام للصلاة يقول: "أقيموا صفوفكم واستووا وإنما يريد الله بكم هدي الملائكة عند ربها ويقرأ: (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّآفُّونَ) ".
وهذا هو الشائع من أوصاف الملائكة في القرآن كما تقدم في أول السورة.
ويرد هنا الاحتمال الثاني الذي ورد في أول السورة بأن يكون هذا القول: (وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ) يكون مما أمر به النبي أن يقوله للمشركين، فيكون عائدا إلى قوله: (فَاسْتَفْتِهِم)، وقل لهم: ما منا -نحن المسلمين- إلا له مقام معلوم … إلخ. ومن ثمّ يكون الوصفان: الصّافون والمسبّحون لهيئة المؤمنين في صلاتهم أو مواجهتهم للعدوّ في القتال. غير أن ما ورد في الآية هو أنسب بالملائكة منه بالنبي والمؤمنين، والله أعلم.
ثم ذكر الله ما كان يتهافت به المشركون قبل بعثة رسول الله، وهم يودّون أن يشرّفهم الله بكتاب كما شرّف من سبقهم فيكونون من عباد الله المخلصين، ولكنهم عندما جاءهم ما رغبوا فيه كفروا به، فقال تعالى: (وَإِن كَانُوا لَيَقُولُونَ، لَوَ اَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا مِّنَ الاَوَّلِينَ، لَكُنَّا عِبَادَ اللّهِ الْمُخْلَصِينَ، فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ).
(1) 1 - أخرجه الترمذي، كتاب (32) الزهد، باب (9) في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا»، رقم 2482، وقال: حسن غريب.