نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة ص

الجزء ١٤ · صفحة ٤٩٨

فقد أقسم الله بأنه فتن سليمان أي اختبره وامتحنه هكذا بصفة مطلقة وجاء التأكيد بعبارة: (لَقَدْ)، وهي نفس الجملة التي جاءت عقب قصة داود: (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ)، وذلك لدفع توهّم أن الأنبياء لا يفتنون بسبب أنهم معصومون، وقد قال الله في شأن موسى: (وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا) (طه:40). وقال لإبراهيم في قصة الذبيح: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلآَؤُ الْمُبِينُ) (الصّافات:106).

فقوله تعالى: (وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ)، كذلك نسجت الروايات الإسرائيلية في تفسيره قصصا رفضها كثير من المحققين، ومنهم الفخر الرازي إذ رأى أن الله ابتلى سليمان بمرض شديد حتى ذبل جسمه فكان كالنسخ الملقى على كرسيّ الملك، ولكن الله عافاه بعد ذلك فرجعت إليه صحته وذلك معنى قوله تعالى: (ثُمَّ أَنَابَ).

قلت: هذا التفسير بعيد التأويل، لأن قوله تعالى: (ثُمَّ أَنَابَ)، هو أنسب للتوبة من خطيئة الابتلاء ويؤيّده قوله بعد ذلك: (رَبِّ اغْفِرْ لِي).

ولعل أقرب إلى الصواب -والله أعلم- ما رآه جمهور المفسّرين مستندين إلى حديث صحيح رواه البخاري ومسلم: «أن سليمان قال: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله. فقال له صاحبه: قل إن شاء الله، فلم يقل: إن شاء الله، فطاف عليهن جميعا لم تحمل منهم إلا امرأة واحد جاءت بشق رجل. قال رسول الله: وأيم الله، والذي نفس محمد بيده لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون».(1)

قال جماعة من السلف: فذلك النصف من الإنسان هو الجسد الملقى على كرسّيه جاءت به القابلة فألقته له وهو على كرسّيه.

(1) 1 - أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة، كتاب (60) الجهاد والسير، باب (23) من طلب الولد للجهاد، رقم 2664، وأخرجه مسلم من حديثه أيضا، كتاب (27) الأيمان، باب (5) الاستثناء، رقم 1654.

٤٬٨١٠ / ٦٬٧٦٧