سورة ص
الجزء ١٥ · صفحة ١٩قال تعالى: (قُلِ اِنَّمَآ أَنَا مُنذِرٌ وَمَا مِنِ اِلَهٍ اِلاَّ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ).
الأمر الإلهي لرسوله أن يقول للمشركين: (اِنَّمَآ أَنَا مُنذِرٌ) هو جواب لقولهم في شأنه: (هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ) (ص:4)، وأما تعجبّهم من دعوة الرسول إلى الإيمان بالإله الواحد في قولهم: (اَجَعَلَ الاَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا) (ص:5). فجوابه هو قوله: (وَمَا مِنِ اِلَهٍ اِلاَّ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)، وكلتا الجملتين جاءتا بصيغة القصر.
وليس المراد بقصر مهمة الرسول على الإنذار أنه غير مبشر، بل هو البشير النذير كغيره من الرسل إذ قال الله في شأنهم: (رُسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِيَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةُم بَعْدَ الرُّسُلِ) (النّساء:165). فالإنذار والتبشير متلازمان في مهمة الرسل، غير أن للموضوع المعالج خلال السورة تأثيرا في التركيز على إحدى المهمتين، كما نلاحظ ذلك في موضوعات هذه السورة، فالرسول أزاء عناد المشركين وتحدّيهم له لا يردعهم إلا أسلوب التخويف والإنذار بما يتلقاه عن ربّه من شؤون عالم الغيب.
وفي الرّد على إنكارهم لوحدانية الله ذكّرهم الله بما يعترفون به من إفراد الخالقية لله وأنه ربّ السموات والأرض وما بينهما، وأن من خصائص الربوبية الغلبة والقهر وعزة الملك، كما وصف ذاته العلية بقوله: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) (الأنعام:18)، (وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) (يوسف:21).
وبجانب وصفه تعالى بالعزة والقهر، وصف ذاته العلية بأنه "غفار" بصيغة المبالغة، لأن ذلك من رحمته وفضله على خلقه حتى لا ييأس الناس من رحمته إذا هم فرطوا في جنب الله.