سورة الزمر
الجزء ١٦ · صفحة ٤٣وقد سئل الرسول عن معنى الشرح فقال: «إذا دخل النور القلب انشرح وانفتح، قلنا يا رسول الله وما علامة ذلك؟؟ … قال: الإنابة إلى دار الخلود، والتحافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله»(1). وفرّع الله على الصدور المشروحة للإسلام كونها على نور من ربّها، والنور استعارة لهدى الله الذي يجلى طريق الحق، وتفيد: (عَلَى): معنى التمكنّ من ذلك النور الذي جاء من عند الله، وهو يعلم الخير في هذه القلوب والقابلية لتلقيه والتجاوب معه، فبوقفها إلى ذلك، وأما الذين قست قلوبهم وتحجرت فهم لا يتأثرون بسماع آيات الله ولا تنبسط قلوبهم لذكره بل تستنير وتنقبض، فهؤلاء لهم الويل بالعذاب الشديد، وهم في دركات الضلال والكفر تائهون لا يخفى ذلك على أحد، ونظير معنى هذه الآية قوله تعالى في سورة الأنعام:
أ) - (فَمَنْ يُّرِدِ اللَّهُ أَنْ يَّهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلاِسْلاَمِ وَمَنْ يُّرِدَ اَنْ يُّضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرِجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَآءِ كَذَالِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الذِينَ لاَ يُومِنُونَ) (الأنعام:125).
ولبيان تأثير القرآن في قلوب المؤمنين، وكيف كانوا يتلقونه ويتجاوبون معه قال تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمُ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ):
هذه الآية تكميل لما ورد من أول السورة في التنويه بشأن القرآن العظيم لبيان موقعه من أحوال القلوب المتضادة كما تقدم في المقابلة السابقة، وتصدّرت الجملة بلفظ الجلالة: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ): لزيادة التعظيم وللتأكيد على أنه من عند الله وقد وصف الله كتابه المنزل بعدة أوصاف كلها تنويه وتعظيم:
(1) 1 - الحديث: أخرجه ابن مردوية عن ابن مسعود.