سورة الزمر
الجزء ١٦ · صفحة ٦٤(إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ):
يأتي الإخبار الرّباني بنون العظمة: (إِنَّآ أَنزَلْنَا): والمخاطب رسول الله يشعره ربه بمكانة القرآن المنزل عليه لأجل هداية الناس تبشرهم وتنذرهم وتبعث في نفوسهم دواعي اختيار الطاعة ونبذ المعصية، وقد تنزّل من ربّ العالمين ملتبسا بالحق مقرونا به في كل بياناته وإرشاداته بما يريده الله من عباده، وبما ينالون به مرضاته إن هم اتبعوه، وهو تعالى يقرر المسؤولية الشخصية لكل فرد، فإن اهتدى بهدي القرآن وسلك طريق الحق الذي جاء به فيعود نفع ذلك إلى نفسه، ومن أعرض وحاد عن طريقه كفرا وضلالا، فيعود وبال ذلك -أيضا- إلى نفسه، وما أنت أيها الرسول بموكول عليهم في ذلك، إنما أنت مبلّغ لرسالة ربّك، وهم محاسبون على ما يختارون، كما قال تعالى في سورة الرعد: (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) (40). وقد تقدم التنويه بشأن القرآن بذكر بعض خصائصه الإعجازية في المبنى والمعنى مما يعدّ من أدلة قدرة الله وحكمته في تدبير شؤون خلقه، ومن دلائل تلك القدرة بيان أحوال أنفس المخلوقات بين الموت والنوم فقال جلّ من قائل:
(اللَّهُ يَتَوَفَّى الاَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ التِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الاُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى اِنَّ فِي ذَالِكَ ءَلاَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ):