سورة الزمر
الجزء ١٦ · صفحة ٨٧(وَالذِينَ كَفَرُوا بِئَايَاتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ): وعطف الجملة على ما سبق من صفات الجلال والكمال لله تعالى ينمّ على معنى التقابل بين صفات الذات العلية من الجلال والكمال، وصفات هؤلاء الكافرين من الخسران والضلال أو هو مقابلة بين نجاة المتقين الحاصلين على الفوز في دار النعيم، وبين الكافرين المعاندين بأنهم هم الخاسرون الحقيقيون في الدنيا والآخرة، هكذا بصيغة الحصر.
(قُلَ اَفَغَيْرَ اللَّهِ تَامُرُونَنِيَ أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ):
وبعد تقرير تلك الحقيقة الوجودية الكبرى والتي كانت تمهيدا لما يلقنه رسول الله ليقوله لمعارضيه، وقد ساوموه في إمكانية استجابتهم لدعوته في عبادتهم لإلهه الواحد، أن يعبد هو آلهتهم في بعض الوقت كفرا وإمعانا في الضلال. فبعد إنذارهم على مخالفتهم لما تقتضيه تلك الحقائق جاء التفريع بصيغة الاستفهام الإنكاريّ لتوجيه الخطاب إلى المشركين المساومين في وحدانية الله وإفراد العبودية له.
والملاحظ في هذا النصّ الكريم تركيز العقيدة الصحيحة في القلب بأساليب مختلفة يؤمر فيها الرسول الداعي بالضغط عليها لتيئيس الكفار من محاولتهم الخسيسة في مساومته لعبادة أصنامهم كما نجد ذلك التركيز في أوائل السورة على إخلاص العبادة لله بنفس الأسلوب -أي من خلال الخطاب لرسول الله- وهذا يعكس مدى المواجهة العتيقة التي كانت محتدمة بين معسكري الإيمان والكفر في مكة المكرمة، فبعد الإستفهام الإنكاري التوبيخي للمشركين على تلك المساومة، يناديهم بوصف الجاهلين بعد أن وصفهم بالخسران في ما سبق، والجهل يحتمل نفي العلم أو نفي الحلم، وعلى أي الإحتمالين اعتبرنا هذا الوصف، فإن الكفار هم أحرياء به لندينهم إلى حضيض السفاهة في عبادة ما لا ينفع ولا يضرّ.