سورة غافر
الجزء ١٦ · صفحة ١٣٤يبدو أن لفرعون رأي آخر في حسم قضية موسى إذ فضل أن يقطع الرأس حتى يقضي على الدعوة من أساسها، غير أن العطف "بالواو" لا يفيد ترتيب الأحداث، فقد يأخذ القوم في تنفيذ قرارهم بالقتل الجماعيّ، وأنهم ليسوا على رأي فرعون في قتل موسى إذ يصبح بطلا مقدسا يذكي غيرة الإتباع ويلهب حماسهم أكثر، وهذا ما يفيده قول "فرعون لهم": (ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ): فذروني يفيد أن هناك نوعا من الممانعة عند الإتباع في أمر القتل لموسى، وهذه الخطة كثيرا ما يطبقها المشيدّون الطغاة عندما يستبقون معارضهم شبه أموات في سراديب لا يرون فيها النور خشية أن يصبحوا أبطالا مقدسين تنصب لهم التماثيل لو أعدموهم.
فلله ما أروع بلاغة القرآن في تشخيص طبائع الاستبداد منذ أقدم العصور، وقول فرعون: (وَلْيَدْعُ رَبَّهُ): فيه نوع من التظاهر بالجراءة أمام أتباعه، إذ شاهدوا تلك المعجزات الباهرة فهم في باطنهم ومعهم فرعون كانوا يخشون انتقام الرّب مما يفعلون.
وقد علل فرعون ميله إلى قتل موسى بأمرين:
أ) - (إِنِّيَ أَخَافُ أَنْ يُّبَدِّلَ دِينَكُمْ): فما أوقح هذا الطاغية وما أبرعه في قلب المفاهيم وتشويه الحقائق، وتلك هي الطريقة المعتادة لدى الطغاة المتجبّرين في تسخير أبواقهم وتسند سلطتهم ففرعون الكافر الوثني والمتألة على شعبه يخشى على دينه الباطل أن يتبدل، ويخشى من رسول الله الذي جاء للإصلاح والتغيير إلى ما هو حق وعدل يخشى منه أن ينشر الفساد في رعيته؟؟ … إنه منطق الطغيان والجبروت أمام الحق الدامغ ونوره الساطع، ولله درّ المعرّي حين قال في مثل تلك الأوضاع المتردية:
إذا وصف الطائي بالبخل ما در … وعيّر قشا بالفهاهة بأقل
وقال السها للشمس أنت خفية … وقال الدجى للصبح لونك حائل
فيا موت زر إن الحياة ذميمة … ويا نفس جدّي إن دهرك هازل
أما موسى عليه السلام فلا يملك أزاء ذلك التهديد إلا أن يلوذ بربّه.