سورة غافر
الجزء ١٦ · صفحة ١٧٠ما أروع الابتداء بقوله: (وَقَالَ رَبُّكُمُ): إنه إستجاشة للعاطفة الإيمانية تجعل القلب حاضرا متلهفا لتلقي المخبر عنه وهو قوله: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمُ): والدعاء يأتي على الغالب في القرآن بمعنى العبادة، ويأتي لسؤال العبد من الله حاجته، والاستجابة تتحقق بإعطاء السائل حاجته والأمر: (ادْعُونِي): هنا يحتمل المعنيين ولكن الاستجابة تتطلب شروطها لا بد من توفيرها عند الداعي منها إخلاص التوجّه لله لقوله تعالى في أول السورة: (فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ): ومنها عدم التعجيل في الإجابة، لأنه تعالى هو أعلم بما يصلح للسائل وقد قال سيّدنا عمر: "أنا لا أحمل همّ الإجابة، إنما أحمل همّ الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء كانت الإجابة" فإن محلى الربوبية لله تعالى ومظهر العبودية له من طرف المؤمن إنما تتمثل في ذلك التذلل والافتقار إلى الله الغنيّ الحميد مهما بلغ الإنسان من درجة الاكتفاء والاستغناء بحظوظه المختلفة، لأن ما عندكم ينفد وما عند الله باق، ولذلك جاء هذا التذييل المناسب في التنديد بالمستكبرين بعدما تقدم الحديث عنهم فقال تعالى: (إِنَّ الذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ): فالجملة وإن كانت تعليلا للأمر الإلاهي بالدعاء فهي الرابط المناسب في السياق بعد وصف المجادلين بالكبر، بيّن الله مصيرهم في الذل والمهانة بنار جهنم.
فإذا كان واقع الناس أزاء الدعوات الدينية بين مؤمن وكافر، فإن واقعهم أيضا إزاء نعم الله التي تغمرهم جميعا بين شاكر لها وجاحد كافر بهما، وسواء كان ذلك بلسان المقال أو بلسان الحال لدى كثير من المتدينين الجغرافيين، فالله تعالى يسوق لهؤلاء وأولئك دلائل قدرته، وبذكرهم بجلائل نعمه إثباتا لحقه عليهم في العبادة فقال تعالى: