سورة الشورى
الجزء ١٦ · صفحة ٣٢١(الْغَيْثَ): هو المطر الذي يأتي بعد الجدب والقحط، سمّي غيثا –بصيغة المصدر- لأنه يغيث المضطرّين قال تعالى: (ثُمَّ يَاتِي مِنم بَعْدِ ذَالِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) (يوسف:49). والقنوط هو اليأس وقوله تعالى: (وَهُوَ الذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنم بَعْدِ مَا قَنَطُوا): معطوف على قوله: (وَلَكِنْ يُّنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ): والتعبير يفيد القصر ومن تضييق الرزق على الخلق حبس المطر واستفحال القحط على وجه الأرض، وقد تطول مدته حتى يشتد البأس على الناس فيدركهم القنوط واليأس، فمن غير الله يغنيهم بإنزال المطر، وإحياء الأرض بعد موتها، ونزول المطر مدعاة لفرح الناس حتى ولو لم يبلغوا حدّ القنوط، ولكن التعبير القرآني بلفظ: (الْغَيْثَ).
"والقنوط" ونشر الرحمة بصفة عامة، فالغيث ينمّ عن المطر النافع الذي ينزل في الوقت المناسب وبالقدر المطلوب، كما يكون فرح الناس مضاعفا عندما يغاثون بعد القنوط فتعظم بذلك منة الله وفضله عليهم وقوله: (وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ): النشر هو البث والبسط للشيء ضدّه: الطيّ وقد فسّر الله تلك الرحمة العامة بعد نزول المطر بقوله في سورة الروم وهي معنى هذه الآية: (وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَنْ يُّنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ* فَانظُرِ اِلَى أَثَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الاَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ) (الروم: 49 - 50).
تلك الآثار التي تعمّ البلاد والعباد، فتخضر الأرض وتتطهر الهواء وتكثر الخيرات وتطرح النفوس ما علق بها من الهموم والغموم وتنتعش القلوب ببركات السماء ويعلمون أنه الله هو الوليّ الحميد الذي لا يضيّع خلقه فهو الشكور المحمود على تلك الولاية التي يرعى بها خلقه، فما كل وليّ محمود، وما كل راع مشكور. وعلى ذكر الله لمجالي رحمته بإنزال الغيث انتقل إلى ذكر آيات قدرته وبديع صنعه الذي يقتضي إنفراده بالألوهية فقال: