نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الزخرف

الجزء ١٦ · صفحة ٣٨٩

نظرا لشدة حرص رسول الله على هدى قومه، وهو يظن انه قادر على إيصال التأثر إلى قلوبهم، بمعاودة دعوتهم فإنه تعالى أراد تخفيف ما يلاقيه من الكفار مفرّعا على ما تقدم صيغة الإستفهام الإنكاريّ وبصيغة الخطاب لرسوله ومن خلاله لكل داع إلى الله يواجه مثل ذلك، فوصف حال المشركين أولا نعشا النظر ثم أتبعه بصفتي الصمّ والعمي على سبيل الإستعارة لتوغّلهم الشديد في الضلال ثم عطف على ذلك قوله: (وَمَن كَانَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ): لتعميم الحكم على كل الأحوال، فلا يقتصر على المسموع والمبصر بحيت نصبح صفة الضلال ملكة فيهم لا ينفكون عنها، فيتحقق فيهم من وصفهم الله بقوله في شأن تأثير القرآن: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُومِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا) (الأنعام:82).

(فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ* أَوْ نُرِيَنَّكَ الذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ):

جاء هذا التفريع مناسبا لما تقدمه من قوله تعالى: (أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ):؟؟ … إمعانا في تسلية رسول الله بتأييسه من إهتداء قومه وأما وعد الله بانتقامه منهم فهو واقع –لا محالة- إن عاجلا في حياة الرسول كما حدث لبعض صناديد قريش في غزوة بدر، وإمّا آجلا عندما تقتضي ذلك مشيئة الله بعد أن يلتحق رسوله بالرفيق الأعلى، فليس له وصل في هذا الأمر، لأن مهمته تنحصر في التبليغ، ويلاحظ أن قوله تعالى: (فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ): جاء بصيغة اسم الفاعل الدال على الإستقبال، كما يشتمل التعبيران على عدة مؤكدات، وقد تكرر هذا المعنى في القرآن الكريم دفعا لكل وهن أو ضعف يصيب المسلمين باستبطائهم لوعيد الله بالانتقام من خصومهم، أو يتطرق الشك بما هم عليه من الحق من جراء إعراض القوم عن الاستجابة لدعوتهم، وكان الإنسان عجولا.

٥٬٢٣٩ / ٦٬٧٦٧