سورة الزخرف
الجزء ١٦ · صفحة ٤٠٣(اِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ اَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِي إِسْرَآءِيلَ): اختار الله لعيسى صفة العبد دون صفة أخرى من الرسالة والنبوءة لينفي بذلك مزاعم من رفعوه إلى مستوى الإلاه أو جزء منه -حاشاه- كما يعتقده النصارى، فما هو إلا عبد خاضع لقدرة الله ومشيئته، وإن أجرى الله على يديه معجزات خارقة، كما أوجده من غير أب ليجعل منه آية لبني إسرائيل وحجة واضحة على قدرة الله، فكان يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص وغير ذلك من المعجزات الحوارق ولم يدّع عيسى أن ما جرى على يديه من المعجزات كان بحيلته وقدرته. وإنما يقرّ في بيان كل واحدة منها أنها بإذن الله ومشيئته، ثم ذكر الله من مظاهر قدرته وجود الملائكة فقال:
(وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلآَئِكَةً فِي الاَرْضِ يَخْلُفُونَ):
وفي هذا ردّ لاعتقاد بعض القبائل العربية أن الملائكة بنات الله كما تقدم ذلك في قوله تعالى: (وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا) (15) فعبدها هؤلاء لاعتقادهم أنهم من سكان العوالم العليا، فجاء الرّدّ الإلاهي في هذه الآية بأنه لو شاء تعالى لجعلهم من سكان الأرض يحلفون الناس لأن قوله: (مِنكُم): هي لمعنى البدلية. فتلك مشيئة الله يفعل ما يشاء إذ لو شاء لعكس، فليس تشريف الملائكة بسكنى العوالم العلوية لكونهم بنات الله -حاشاه- ثم يعود السياق إلى شأن عيسى عليه السلام فيقول تعالى:
(وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا): إختلف المفسّرون في تحديد معاد الضمير: (وَإِنَّهُ): اختلفوا إلى أقوال ثلاثة:
أ) - يرجع للقرآن، وقد جرى عنه الحديث مفصّلا في غضون السورة كثيرا، وقد يضمر لأنه معلوم كما في قوله تعالى: (إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) (القدر:1). وقد أخبر القرآن بأحوال الساعة وباقترابها، فهو أقوى دليل من الله على أن الساعة حق.