نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الدخان

الجزء ١٦ · صفحة ٤٤٥

عاد نسق الحديث إلى منكري البعث من كفار قريش بعد تهديدهم بالبطشة الكبرى والإنتقام منهم، وضرب المثل لهم بعاقبة قوم فرعون فجاءت هذه الإشارة التحقيرية بـ (هَؤُلآَءِ): وهم لا يتردّدون في إنكار البعث، وبالتالي هم لا يؤمنون بما يجرى عليهم من الحساب وفصل القضاء، وهم يصرخون بذلك الإنكار في أساليب مختلفة ذكرها الله تعالى في سور مختلفة فقولهم هنا بصيغة القصر: (إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الاُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ): فهم يعنون بذلك أن لا تأتيهم حياة ثانية بعد ذلك الموت الأول، كما صرّحوا بذلك في قولهم: (وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ): أي ليس هناك نشور للموتى يبعثون لحياة ثانية، ثم إنهم ساقوا حجتهم على نفي ذلك بأن قالوا إن كان ذلك حقا كما تقولون فعجّلوا لنا بإحياء من مات من آبائنا، ونقول الرواية بأنهم تحدّوا رسول الله بأن يدعو الله حتى ينشر جدّهم قصّى بن كلاب ليشهد على صدق ما تدعيه رسول الله، وهذه الحجة ساقطة من أساسها إذ أن الدعوة الإيمان بالبعث يوم القيامة، لا يكون إلا كما خبّر الوحي به بأنه يكون بعد إنهاء ظروف الحياة الدنيا لجميع الخلائق عند نفخة الصعق، فليس في دعوة الرسل جميعهم ما يشعر ببعث الأموات ضمن ظروف الحياة الدنيا، وبما أن هذه الشبهة لا تحتاج إلى ردّ لسخافتها فإن الله تعالى قد تهدّدهم مباشرة بضرب مثل آخر بقوم هم أقرب إليهم من قوم فرعون، وهم قوم تبّع فقال تعالى: (أَهُمْ خَيْرٌ اَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالذِينَ مِن قَبْلِهِمُ أَهْلَكْنَاهُمُ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ): ضمير: (هُمْ): عائد إلى اسم الإشارة -أي كفار قريش- والاستفهام للإنكار، والمراد بالخيرية الأفضلية في القوة والبطش، فكفار قريش يعرفون أن قوم تبّع ومن قبلهم من الأمم كانت أشدّ منهم قوة وأكثر جمعا، وقوله تعالى: (أَهْلَكْنَاهُمُ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ): فقد علق الله الإهلاك بقوم تبّع دونه هو، مما يدلّ على

٥٬٢٩٥ / ٦٬٧٦٧