سورة الجاثية
الجزء ١٦ · صفحة ٤٦٢(وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَآءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الاَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ ءَايَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ): الجملة معطوفة على ما سبق، وظاهرة إختلاف الليل والنهار على سطح الأرض من أعظم الدلائل على بديع صنع الله تسترعى الانتباه والتأمّل بنظر العقل، وإن كنا في حصيلة معارفنا البشرية قد أدركنا بسبب تلك الظاهرة بدوران الأرض حول محورها حول الشمس مرة في كل أربع وعشرين ساعة، بسرعة دقيقة لا زيادة فيها ولا نقصان، حتى أصبح ذلك مألوفا عندنا، ولكن هذه المعرفة العلمية المحدودة لا تحجب عن المؤمن الإيحاء الإيماني والإطمئنان اليقيني للقدرة الإلاهية التي أوجدت تلك الظاهرة لضمان سير الحياة على ظهر كوكبنا ثم توفير الأرزاق وعلاقة ذلك بإنزال الماء من السماء وتأثير الضوء والحرارة على الكائنات الحيّة، وما في تصريف الرياح المختلفة الإتجاهات والأنواع من المنافع المختلفة في سوق السحب وتلقيحها وفي تطهير المحيط يصرّفها الله كيف يشاء تارة نافعة وأخرى ضارّه.
في كل ذلك دلالات واضحة وبراهين قاطعة ينتفع بها ذوو العقول النيّرة الذين ينتظرون النظر الصحيح إلى تلك المخلوقات فيدركون أن وراءها قوة الخالق المبدع وأحد لا شريك له، ونظير هذه الآيات جاءت في سورة البقرة بإضافة بعض الظواهر وتوحيد التعقيب في آخرها بقوله: (ءَايَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ): ثم في صيغة التعجيب بذكر الله من لم يؤمن بهذه الآيات الكونية الصامتة ولا بآيات القرآن الناطقة فقال:
(تِلْكَ ءَايَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثِم بَعْدَ اللَّهِ وَءَايَاتِهِ يُومِنُونَ):