نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الجاثية

الجزء ١٦ · صفحة ٤٨٥

وهم في إنكارهم للبعث يستندون إلى حجة واهية أخرى لا تقلّ غرابة وسطحية عن سابقتها، وذلك عندما يطلبون إحضار آبائهم الميّتين كلما واجهتهم آيات القرآن بأخبار القيامة والبعث. وهي مغالطة مفضوحة، إذ الحياة الأولى ما تزال مستمرة في الخلق، وإنما الحياة الثانية للبعث والنشور لها ميقاتها المعلوم عند الله وفث ما قامت عليه نواميس الوجود، فهي لا تتغيّر لمقترحات البشر المقرضة الساذجة وإلا فإن في توفير أسباب الحياة الأولى مجالا للتدبّر والنظر في قدرة الله فهل عرفوا لغز الحياة الأولى وهي نتحرك في أنفسهم وبين أيديهم؟؟ … فلو علموا ذلك لما ارتابوا في قدرة الخالق لإنشاء الحياة الثانية ولكنه الجهل وعمى البصيرة.

(قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ):

أمر الله رسوله أن ينبّه منكري البعث إلى واقعهم في الحياة كيف متعهم الله بكل ما تتمّ به حياتهم من مختلف النعم والأنساب، وقد قدّر لكل واحد أجله ثم يموت بعد انقضاء أجله، ثم يجمع الخلائق كلها ليوم لا ريب فيه للحساب والجزاء وذلك مقتضى عدله وحكمته، لأنه منزه عن الظلم والجور، كما تقدم ذلك في الآيات السابقة، وفي التعقيب على هذه الحقيقة الوجودية الكبرى يقول تعالى: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ): إذ يفترق الناس في الإيمان بتلك الحقائق الغيبية على قدر إيمانهم بالغيب حتى ولو كانوا مؤمنين، وقد علق الإمام القرطبيّ على شريحة من هؤلاء فقال: "وحدث في الإسلام أقوام ليس يمكنهم إنكار البعث خوفا من المسلمين فيتأوّلون، ويرون القيامة موت البدن، ويرون الثواب والعقاب خيالات تقع للأرواح بزعمهم، فشرّ هؤلاء أضرّ من شرّ جميع الكفار، لأن هؤلاء يلبسون الحق ويغترّ بتلبيسهم الظاهر، والشرك المجاهر بشركه يحذره المسلم".

قلت: وفي هذا المعنى يقول تعالى:

٥٬٣٣٥ / ٦٬٧٦٧