سورة الأحقاف
الجزء ١٦ · صفحة ٤٩٨يبدو من النظم البديع في مفتتح هذه السورة تلك العلاقة الكبيرة بين إنزال القرآن آيات متلوّة تقرر وحدانية الله وتثبت عظمته وحكمته، وبين خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق لتكون آيات مجلوّة للناظرين يدركون من خلالها تلك العظمة ويتبيّنون تلك الحكمة، ورتب على خلقهما ملابسة الحق في أوسع معانيه، أي لم يقدّر الله ذلك عبثا، وبالتالي فإن المشية الإلاهية اقتضت أن يجعل لهما أجلا مسمّى، ليعقبهما بعد ذلك عالم آخر يكون فيه البعث والجزاء على ما تفعله الخلائق. لأن ذلك من مقتضيات العدل الإلاهي.
فكل من الكتاب المنزل المتلوّ من القرآن والكتاب المجلوّ لآفاق الأكوان معروض على الأسماع والأنظار.
تأمل سطور الكائنات فإنها … من الملإ الأعلى إليك رسائل
إنهما حجة الله على خلقه في الإنذار والتبشير، ومع تلك الأدلة الدامغة فإن الذين كفروا يعرضون عنها، فيتخذون آلهة باطلة يعبدونها من دون الله، إذ هم لا يصدقون بما أنذروا به من جزاء يوم القيامة فردّ الله عليهم بقوله:
(قُلَ اَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الاَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ايتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَآ أَوَ اَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ اِن كُنتُمْ صَادِقِينَ):
جاء الإستدلال على طريقة الحوار والمناظرة يرشد الله رسوله أن يقول لعبدة الأوثان في طلب تعجيزي أن يدلّون على أي جزء بسيط من الأرض التي يعيشون عليها ويشاهدونها، قد خلقته تلك المعبودات الباطلة على مختلف أنواعها، أو خلقت على الأرض أي شيء حقير مثل الذبابة، كما تقدم ذلك في سورة الحج، إنهم بالطبع لا يملكون ان يدّعوا ذلك لمعبوداتهم بل يعترفون بالخالقية لله وحده.