نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الفتح

الجزء ١٨ · صفحة ٧٩

ج) - دعوتهم إلى قتال قوم أشدّاء على وجه التحدّي.

ثم استثنى الله أصحاب الأعذار ورفع عنهم الحرج في ترك الجهاد، فقال تعالى:

(سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الاَعْرَابِ شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ):

أعلم الله رسوله بما سيكون من أولئك الأعراب النازلين حول المدينة، وقد استفزهم للخروج معه إلى أداء العمرة، وهم ست قبائل من سكان البادية غفار وأسلم، وجهينة ومزينة، وأشجع والديل. وصفهم الله: "بالمخلفين" عوضا عن المتخلفين للدلالة أن ذلك من حكم الله عليهم لسوء نيتهم وقصدهم.

فالمخلّف -بفتح اللام- هم من تركتهم وراءك، هؤلاء اختاروا ذلك لضعف إيمانهم وعدم ثقتهم بوعد الله في نصر رسوله، وإلتمسوا لذلك مبرّرا بالإنشغال في حراسة أهليهم وأموالهم، ويبدو أن هؤلاء لم ينحدروا إلى دركة المنافقين، ولكنهم تلكؤوا عن الخروج لا عن عصيان أو تمرّد ولكن عن سوء ظن وخذلان، وذلك واجهوا الرسول بعد عودته من الحديبية بتلك الأعذار الواهية على وجه المصانعة ولعلهم يندرجون في صنف من قال الله فيهم من أنواع المنافقين في سورة "التّوبة": (وَءَاخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَّتُوبَ عَلَيْهِمُ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (102).

ولكن الله كشف بواطنهم إذ قال: (يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ): إذ كان طلبهم الاستغفار من رسول الله وهما منهم أن ذلك يفضي ما في خبيئتهم من هو أحبس الظن السيء وذهلوا عن علم الله بحقيقة ما يضهرونه، فبيّن أنهم غير صادقين في ذلن الإعتذار إذ هم في الواقع لا يخافون على أهليهم ولا على أموالهم سوءا فجاء الرّد الإلاهي بأمر الرسول أن يقول لهم:

٥٬٤٧٦ / ٦٬٧٦٧