سورة الفتح
الجزء ١٨ · صفحة ٨٢(سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ): أي المذكورون من قبل، وهذا القول منهم صادر عن رغبة نفسية منهم تعكس مدى تقلبهم في مواقفهم وعدم إخلاصهم في موقفهم الأول من الخروج مع رسول الله إلى الحديبية، وقد وعد الله المؤمنين الذين عانوا ما عانوه من مشاق السفر والحرمان من بلوغ غايتهم في أداء العمرة، وجزاء لإخلاصهم في بيعة الرضوان، وعدهم الله بمغانم كثيرة يأخذونها وحدهم دون سواهم ممن تخلفن من أولئك الأعراب، وهكذا إزداد المخلّفون افتضاحا حين طلبوا الخروج إلى غزوة خيبر، ولكن الله لا يبدلّ القول لديه إذ حكم أن تكون الغنائم لمن حضر الحديبية، فأنّى لأحد أن يغيّر حكم الله، (قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَالِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ): فهو قرار من الله لا هوادة فيه، فكان ردّهم انعكاسا لما في قلوبهم من دباغ السوء.
(فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا): لأنهم ماديو النظرة إلى أمور الدين، سطحيّ الفهم لمقاصده لا يفقهون إلا قليلا، وحاشا لرسول الله أن يتصف بالحسد في حرمانه لهؤلاء من المشاركة في الغنائم لولا أنه أمر الله بذلك جزاء للمخلصين الأوفياء وعقابا للمترددين، ولذلك جيء بالإضراب الإبطالي لذلك الإدّعاء، ونعتهم بعدم الفقه والتدبّر، إذ كانوا ينظرون إلى من هم أكمل عقلا وأقوى إيمانا بمنظار ما يخشون به في أنفسهم من عوامل الشك والترّدد على المثل القائل: "رمتني بدائها وأنسلّت". ولازالة إنكسار خواطرهم من حرمان غنائم خيبر أخبرهم الله بأنهم سيدعون إلى قتال قوم آخرين ذوي بأس شديد كما يدعى سائر المسلمين، وحينئذ يكونون على محك الإختيار، فتتاح لهم الفرصة لاستدراك ما فاتهم من التخلّف فقال تعالى: