سورة الفتح
الجزء ١٨ · صفحة ٩٨مراعاة للحالة النفسية التي كان عليها المخاطبون فإن الإخبار الإلاهي جاء مؤكدا باللام المشعرة بالقسم و (قَدْ): التي تفيد التحقيق بأنه تعالى صدق تأويل رؤيا رسوله التي رءاها تصديقا ملتبسا بالحق بأنكم ستدخلون المسجد الحرام –بمشيئة الله- وأنتم آمنون، محلقون رؤوسكم ومقصّرون، وتأكيدا لحالة أمنهم التام زاد فقال: (لاَ تَخَافُونَ): واقتصر تعالى على ذكر التحليق والتقصير لأنها يلزمان للحج والعمرة وأنهما آخر ما يفعله الحاج أو المعتمر. والله تعالى لم يحدّد المكان الذي حدثته فيه تلك الرؤيا، أهو في المدينة قبل أن يخرج؟. أم هو في الحديبية بالذات قبل عقد الصلح اختلفت الرواياته في ذلك. غير أن تلك الحالة من التوتر التي أصابت الصحابة ترجح أن يكون الأخبار عن تلك الرؤيا في المدينة ورؤيا الأنبياء نوع من الوحي كما تقدم ذلك في سورة الشورى، والرؤيا الحق هي التي يصدّقها الواقع، وقد يراها حتى بعض الصلحاء من المؤمنين، كما ثبت في الحديث الصحيح، أن الرؤيا الصالحة جزء من ست وأربعين جزءا من النبوءة –رواه البخاري- ومن دقة التعبير ومطابقة الواقع له، تأكيده تعالى على الأمن وعدم الخوف، وذلك ما عايشوه في عمرة القضاء سواء في خروجهم من المدينة أو في طريقهم إلى مكة وعند أدائهم مناسك العمرة وقد أخلى المشركون لهم مكة كلها. وقوله تعالى في غضون "خبره" (إِن شَآءَ اللَّهُ): فإن تعليق شؤوننا نحن بمشيئة الله أمر واجب بمقتضى قوله تعالى: (وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ اِنِّي فَاعِلٌ ذَالِكَ غَدًا* اِلآَّ أَنْ يَّشَآءَ اللَّهُ) (الكهف:23 - 24). وأما أن يكون هذا الحكم لله في ذات كلامه هو فما معنى ذلك؟؟ … وهو علام الغيوب؟؟ …
فقيل إن ذلك من الله تعليم لنا وإرشاد حتى لا نغفل عن تعليق شؤوننا بمشيئة الله. وأنه تعالى يقضي بإرادته ومشيئه كلما أمر وفق ما قدّره في الأزل لا يواجب عليه في ذلك.