نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الفتح

الجزء ١٨ · صفحة ١٠٤

تلك هي معاملتهم لخلق الله على معيار الإيمان والكفر فكيف هي علاقتهم بربّهم وكيف يؤدون له حقه؟ قال تعالى:

(تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنَ اَثَرِ السُّجُودِ): هم فرسان النهار ورهبان الليل، كما جاء وصفهم في الأثر، وخصص الركوع والسجود بالأكثر من أعمال الصلاة، لأنهما يعكسان مبلغ التذلل والخضوع لله، كما خصصت الصلاة دون سائر العبادات لأنها الصلة الوثقى بين العبد وربّه، وصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار والدوام، لأن ذلك من ركائز الصلاة لقوله تعالى: (الذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ) (المعارج:23). وتظهر آثار تلك المداومة على جباههم بعلامات السجود، وليس المقصود علامة مادية يتكلفها المصلّى بطول الضغط على الأرض أو حك البشرة بمادة تحدث تلك العلامة كما يفعل الكثير من المرائين اليوم، وإنما هي علامات نور ووقار، ترى بالحرس الباطنيّ فإن المقصود من الآية هو ما يكون من أثر العبادة والإخلاص لله، قد يظهر على وجه المؤمن، فيحسّ به من صلت علاقتهم بالله، وذلك في الدنيا وأما في الآخرة فقد جاء في الحديث: «يبعث الله المؤمنين غرّا محجلين من أثر الوضوء»(1). وليس للصلاة المقبولة عند الله إلا الحصول على مغفرته ورضاه.

(ذَالِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الاِنجِيلِ كَزَرْعٍ اَخْرَجَ شَطْأَهُ فَئَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ).

هذا مثل ضربه الله تعالى لصحابة رسول الله وكون ذلك الوصف جاء في التوراة والإنجيل أنه كان من جملة البشارات التي أشادت بالرسول الخاتم وصحابته مما أخبر الله به في الكتابين المقدسين كما قال تعالى: (يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالاِنجِيلِ) (الأعراف:157).

(1) 1 - الحديث: رواه مسلم.

٥٬٥٠١ / ٦٬٧٦٧