نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الحجرات

الجزء ١٨ · صفحة ١١٤

أورد الله هذا المثال للجهر المنهي عنه في الآية السابقة مما صدر من وفد بني تميم حين قدموا إلى رسول الله سنة تسع للهجرة والتي سميت "بعام الوفود" فنادوه من وراء الحجرات: "يا محمد أخرج إلينا فإن مدحنا زين وذمّنا شين، نحن أكرم العرب". وذلك على عادتهم في المفاخرة والتباهي، وروي أنهم وفدوا إليه في وقت الظهيرة وهو راقد فاستيقظ وخرج إليهم فنزلت، وصف الله أكثرهم بقلة العقل ولم يعمّم الحكم عليهم جميعا، إذ ربما كان فيم من لم يناد، فكأنهم في جفوتهم وغلظتهم هم أدنى إلى صراخ الحيوانات العجماء منهم إلى حكمة الإنسان العاقل أمام من يستحق التقدير والإحترام، وقد نعى الله رفع الصوت بكيفية منكرة في ما جاء على لسان لقمان الحكيم فقال جلّ من قائل:

(وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الاَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) (لقمان:19).

(وَلَوَ اَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ): وبما أن خلق الصبر في الإنسان وتوطن النفس عليه هو من أساس المكرمات في التحلّي بالإفلاة الفاضلة كانت مناسبة في هذا المقام أولى من فعل: "انتظروا" مثلا، والصبر خير كله، وهو عدّة المؤمن في كل الأحوال، والخير الذي يحصلون عليه هو شرف التوقير للرسول بعدم إزعاجه في خلوته، وهو الذي لا يحتجب عن الناس إلا عند الإنشغال بضروراته القصوى.

ثم إن مراعاة هذه الآداب الرفيعة مع كافة الناس تكسب صاحبها قدرا وإحتراما في قلوبهم، فما بال علية القوم وساداتهم، وفوق ذلك جلال النبوءة ووقارها، والتذييل بقوله تعالى: (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). دون أمرهم بالتوبة ينمّ عن رحمة الله وفضله، إذ لم يحص عليهم ذنبا، وأنهم جروا على عادتهم الجاهلية على قاعدة: "من جاء على أصله فلا لوم عليه"

-والله أعلم-

في الآداب العَامة

وُجوب التتبّث من الأخبار.

أ) - النصّ:

٥٬٥١١ / ٦٬٧٦٧