سورة الحجرات
الجزء ١٨ · صفحة ١٢٦ويلخص الإمام ابن عاشور بعض الضوابط بقوله: "ويتحقق وصف البغي بإخبار أهل العلم أن الفئة بغت على الأخرى أو بحكم الخليفة العالم العدل، وبالخروج عن طاعة الخليفة وعن الجماعة بالسيف إذا أمر بغير ظلم ولا جور، ولم تخش من عصياته فتنة، لأن ضرّ الفتنة أشدّ من شدّ الجور في غير إضاعة المصالح العامّة من مصالح المسلمين، وذلك لأن الخروج عن طاعة الخليفة بغي على الجماعة الذين مع الخليفة"(1).
قلت: مبدأ لو أن هذه الضوابط كانت محلّ اتفاق بين الطوائف الإسلامية، إذن لكفيت الأمة شرّا مستطيرا ذهب بالآف الضحايا قديما وحديثا، ومرجع الخلاف هو في مبدإ الحكم السياسي في الإسلام ومرتكزه في شروط الإمامة، ولعلّ الأحداث العالمية اليوم والتغيّرات الجذرية في أساليب الحكم وأنماطه كغيلة بعض هذا المشكل الذي ما يزال مطروحا في كثير من البلدان الإسلامية.
وقوله تعالى: (حَتَّى تَفِيءَ اِلَى أَمْرِ اللَّهِ): أي يجب أن يستمرّ قتال المؤمنين للفئة الباغية حتى ترجع إلى أمر الله، وهو الإذعان إلى أحكام شريعته الغرّاء. في الحقوق والواجبات، وتفاديا من الإنحياز وغلبة الهوى فإن الله أتبع أمر القتال بأمره بالعدل والإنصاف في الإصلاح بين الطائفتين قطعا لدابر الفتنة في تلك القضية المتنازع عليها، وأردفت ذلك بقوله: (وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).
تأكيدا للعدل الخاصّ بعدل عامّ يتوخاه المؤمنون في كل علاقاتهم ومعاملاتهم للفريقين، حتى لا يشعروا بأحاسيس الغالب والمغلوب، لأن انكسار الخواطر وكوامن الشحناء والبغضاء لا يعفّى عليها إلا بالعودة إلى رفرف الإيمان واللياذ إلى من له بحق العزة والسلطان، وهو الذي قضى بالأخوّة الإيمانية فقال: (إِنَّمَا الْمُومِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).
(1) 1 - التحرير: مجلد: 26 صفحة: 240.