سورة الحجرات
الجزء ١٨ · صفحة ١٤٢ولما كان الواقع المرير الذي عاشته الجاهلية أن كان ذلك التقسيم مثار الحمية والعصبية والتنافر جاءت علة جعل الله إيانا شعوبا وقبائل على خلاف ذلك الواقع حتى يكون سببا للتكامل والتعارف وهو يحتضن الهرم الإجتماعي من قاعدته إلى قمته انطلاقا من الأسرة إلى مجمع الأمة بكاملها تدرّجا واستشرافا إلى وحدة الإنسانية التي جاءت الدعوة الإسلامية تنادى بها وترفع شعار المساواة بين الأجناس والألوان، إذ جعل الله ذلك الإختلاف مجلي لعظمته وقدرته وآية لتدبيره وحكمته فقال تعالى: (وَمِنَ ـ ايَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمُ إِنَّ فِي ذَالِكَ ءَلاَيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ) (الرّوم:22).
فإذا كانت خطبته عليه السلام في حجة الوداع بمنزلة الدستور الحكيم للأمة الإسلامية، فإن من بنوده الأساسية، مبدأ المساواة، بين الناس كما تقدّم النصّ على ذلك.
ولئن افتخرت الحضارة الحديثة بالثالوث الجرئ الذي رفعته الثورة الفرنسية حين نادا بالحرية والإخاء والمساواة واعتبرته أوروبا فتحا مبينا بانتصارها على سلطة الكنسية والملوكية فإن للأمة الإسلامية أن تعتز وتفتخر بأن كانت السيّاقة إلى تركيز تلك المبادئ وتطيقها في الحياة الواقعية، ورسولها الأعظم هو القدوة في كل إصلاح دعا إليه وفي كل مبدإ نادى به، ألم يكن من حاشيته الخاصّة بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسيّ؟؟ …
وكان يقول لأصحابه كلما تحركت فيهم الحمية بتحريض من اليهود والمنافقين، «دعوها فإنها منتنة»(1).
(1) 1 - الحديث: رواه مسلم.