سورة ق
الجزء ١٨ · صفحة ١٥٥(وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ): أقسم الله بالقرآن للتنويه بشأنه ولله تعالى أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، فالمقيم -وهو الله- عظيم، لا يكون قسمه إلا بما هو عظيم عنده. ولذلك أتبع المقسّم به بوصف المجيد، هكذا بصيغة المبالغة من المجد وهو الشرف الكامل وعلوّ المنزلة، توصف به الأشياء مجازا لأن المجد الحقيقي هو لله تعالى وحده فهو ذو العرش، المجيد، فعال لما يريد، فالقرآن في نوعيته يفوق كل كلام أوجده الله بقدرته من نوع الوحي المنزل من السماء على مختلف رسله، وذلك هو معنى الهيمنة التي وصف الله بها القرآن في قوله: (وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) (المائدة:48). وبالتالي فهو أعلى وأشرف من كل كلام صاغه البشر لمحادثاتهم نثرا كان أو شعرا أو سجعا أو غيره، والمقسّم عليه في الآية مطويّ محذوف يحاول المخاطبون أن يستدلّوا عليه من خلال السياق سيما ما جاء بعد الإضراب في قوله: (بَلْ عَجِبُوا أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ): فيكون التقدير للمقسّم عليه والقرآن المجيد إنك لرسول الله تنذر الناس بالحق، وهذا المعنى هو هو ما صرّحت به افتتاحية سورة "يّس" في قوله تعالى: (يَسِ* وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ* إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ* عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ* تَنزِيلُ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ* لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ) (1 - 6).
(بَلْ عَجِبُوا أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ): (بَلْ): للإضراب عما سبق، (عَجِبُوا): -الضمير عائد إلى معلوم من السياق- أي المشركين ممن تحداهم الله في مفتتح السورة، وقد حصل لهم العجب من أمرين:
أ) - من أن يجيئهم منذر منهم، وصف الله الرسول بصفة النذارة، وهي الإخبار شرّ متوقع، أي البعث والنشور فهم ينكرون ذلك إلى حدّ إصالة وقوعه.