سورة ق
الجزء ١٨ · صفحة ١٦١اكتفى الله بذكر من اشتهر من الأقوام البائدة ومنهم من جنس العرب المخاطبين، كعاد وثمود وأصحاب الأيكة وقوم تبع، وأما قوم فرعون وقصتهم مع موسى عليه السلام فقد أخذت من قصص القرآن الحيزّ الأعظم ولها في نفوس المخاطبين الاهتمام الكبير، تبعثهم على الموعظة والاعتبار، وأما أصحاب الرسّ، فلم يحدّد المفسّرون أصلهم وموطنهم، وإضافتهم إلى: (الرَّسِّ): من إضافة الشيء إلى موطنه، لأن: (الرَّسِّ): هي البئر غير المطوية، كإضافة أصحاب الحجر، كل هؤلاء هم ممن كذّبوا بالحق لما جاءهم أكّد الله ذلك الموقف منهم بقوله: (كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِي): وصفهم الله بتكذيب رسلهم وفرّع على ذلك قوله: (فَحَقَّ وَعِيدِي): أي حقت عليهم من الله كلمة العذاب، كلّ بحسب جريرته إذ اختلفت أنواع العذاب ولكنه عذاب المحق والإستئصال والتنصيص على سبب ذلك بتكذيب الرسل، وهو القاسم المشترك بينهم فيه إرشاد وإيماء إلى وحدة العقيدة في أصولها ووحدة الرسالة في دعوتها، فكل من كذّب برسول فقد كذب بالرسل أجمعين، قال تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمُ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء:92).
ولما كانت قضية البعث هي من أبرز القضايا التي بها يكذبون عاد السياق إليها ليعرضها في حجة جديدة فقال:
(أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الاَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ): الاستفهام للإنكار أن يكون الله تعالى قد أتعبه الخلق الأول للطون فاستراح بعد خلقه ليتركه للصدقة كما يدّعيه الملحدون وقد نفي الله عن ذاته العلية تلك الصفة الناقصة فقال: (أَوَلَمْ يَرَوَا اَنَّ اللَّهَ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُّحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الأحقاف:33).