سورة ق
الجزء ١٨ · صفحة ١٦٥فكم كان هذا النصّ الكريم شديد الوقع في نفس، وأنا أتدبّر معانيه ولا تكاد العبارات تطاوعني لأفسّر مضمون الآيات التي كانت تهز كياني وأنا في خريف العمر قاب قوسين أو أدنى من سكرة الموت متأرجحا بين الخوف والرجاء مما ينتظرني بعد ذلك من الحساب والجزاء … وإن كنت –بفضل الله- ممن لا ينكر الحق الذي نزل من السماء قال تبارك وتعالى:
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الاِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ):
تصدير الخبر باللام المشعرة بالقسم و (قَدْ): للتأكيد لأن المخبّرين -بفتح الباء- هم في شك من علم الله بجميع أحوالهم وإن كانوا يؤمنون بأنه هو خالقهم، وكلمة الإنسان، تعمّ كل الناس، فإن الكثير منهم يجهل مستلزمات الخالقية لله تعالى، فإن الخالق الصانع ليعلم بمن خلق، إذ المخلوق معلوم الكنه عنده فهو عليم بمصدره خبير بحقيقته ظاهرا وباطنا، مكشوف الخبيئة والسرّ حتى من الخواطر الخفية في أغوار نفسه هي معلومة عند الله محصية عليه ليوم الحساب.
(وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ): و (حَبْلِ الْوَرِيدِ): هو أحد الشريانيين اللذين يمران بالعنق إلى الرأس يقطعان عند ذبيح الحيوان فيموت، فالتعبير تصويري لشدة القرب والمقصود به إحاطة علم الله الشاملة لكل أحوال الإنسان الخفية منها والظاهرة فكيف يتجرأ هذا للإنسان الذين يؤمن بتلك الحقيقة أن يصدر منه ما يسخط الله قولا أو عملا، إذ هو موكول بملكين رقيبين عليه عن اليمين وعن الشمال يجمعان عليه كل حركة أو سكنة بل كل خاطرة من هواجس النفس.
(إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ* مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ اِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ):