نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة ق

الجزء ١٨ · صفحة ١٦٧

(وَجَآءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَالِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ):

إنها الثقلة الحتمية للإنسان حين تحضر ساعته الصغرى بوفاته جاء الإخبار عنها بصيغة الماض لتحقق الوقوع، وجاء التعبير بسكرة الموت لإدخال الروع في نفوس الناكرين الجاحدين، وإن للموت سكرات نسأل الله أن يخففها عنا، وهذا رسول الله في فراشه لما تغشاه الموت جعل يمسح العرق عن وجهه ويقول: «لا إلاه إلا الله إن للموت لسكرات» وكانت آخر كلماته: «اللهم الرفيق الأعلى»(1). وقوله: (بِالْحَقِّ): الباء للملابسة أو للتعدية، أي جاءت سكرة الموت التي هي الحق الذي لا يتخلف وهو ما يوقن به كل إنسان، فيرى الحق الذي كان يكذب به قبل الموت من وجدانية الله ومن الرسالة ومن البعت فيرى مع سكرة الموت إذا كان مؤمنا يرى مكانه في الجنة ويرى الكافر مكانه من النار.

وقوله تعالى: (ذَالِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ): الإشارة إلى الموت أو إلى الحق، والمخاطب هو الإنسان على وجه ..... و .... عن الشيء بمعنى هرب وتجنّب. فأنّى للإنسان أن يهرب من قبضة الموت؟. وعندما تنتهي فترة البرزخ ينتقل الحديث إلى المرحلة الثانية من البعث والحشر وموقف الحساب والجزاء يقول تعالى:

(وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَالِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ* وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ* لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ):

والنفخ في الصور الله وحده أعلم بكيفيته، وقد ذكر لنا في سورة "الزمر": أنهما نفختان، الأولى: للصعق –أي فناء العالم- والثانية للبعث وهو المراد بهذه الآية إذ يقول الناس لربّ العالمين في موقف الحساب لذلك اليوم الموعود، وإضافة اليوم إلى الوعيد هو من إضافة الشيء إلى ما يقع فيع، فهو يوم الوعد والوعيد غلّب فيه الوعيد مراعاة لجوّ النصّ من التخويف والتهويل، للكفرة الجاحدين.

(1) 1 - الحديث:

٥٬٥٦٤ / ٦٬٧٦٧