نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة ق

الجزء ١٨ · صفحة ١٧٤

(يَوْمَ يَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ):

إنه سؤال وجواب يحتمل أن يكونا حقيقتين لأنه تعالى قادر على أن ينطق كل شيء، ويحتمل أن يكونا تعبيرا عن لسان الحال بأسلوب التمثيل و (يَوْمَ): متعلق بقوله: (لاَ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ): فهي أقوال ربانية تتلاحق في ذلك الموقف الرهيب فتأتي الإجابة: (هَلْ مِن مَّزِيدٍ)؟؟ … أي إنها تتمنّى المزيد من وقود الناس يلقون فيها ففي أطباقها فراغ لإحتواء المزيد –والعياذ بالله-.

والبعض قال: إن المعنى أنها قد امتلأت ولم يبق فيها فراغ وبنو ذلك على قوله تعالى: (وَلَوْ شِئْنَا ءَلاَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (السجدة:13).

ولا يتسق هذا التفسير مع سياق النصّ في تصوير المشهد الرهيب، والقول الأوّل هو الأرجح والأنسب، وفي مقابل ذلك مشهد رضيّ كريم، مشهد جنة النعيم تقرّب للمتقين حيث يقفون في المحشر تكريما لهم بحيث تتراءى لهم عن قرب.

(وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ* هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ* مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ* ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ذَالِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ* لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ): عطفت الجملة على سابقتها وجيء بصيغة الماض للدلالة على تحقيق الوقوع، ومن مظاهر التكريم للمتقين أن الجنة تقرب إليهم إحتفاء وتكريما فلا يعانون من مشقة السير إليها، فهم يشاهدونها من قريب بقدرة الله فتزاده نفوسهم شوقا إلى دخولها وللشوق وإشراقات الأمل هزة في النفس تكسيها رضى وسعادة، ويدلّ تقريب الجنة إلى المتقين أن الله قد أعدّها بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فيقول لهم ملائكة الرحمة تشريفا وتكريما.

٥٬٥٧١ / ٦٬٧٦٧