نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة القمر

الجزء ١٨ · صفحة ٣٠٨

وبعد ذلك الإيجاز البليغ في إبراز جوانب الاعتبار والتذكير في القصة بيّن الله بصيغة التأكيد بعض الأسباب التي استحق بها قوم لوط ذلك العذاب الأليم لإبراز عدله وحكمته فقال تعالى: (وَلَقَدَ اَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ، وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِي، وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ، فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِي).

لقد اجتهد لوط في تبليغ رسالة ربه وأنذرهم من نقمة الله عليهم إن هم تمادوا في ممارسة تلك الفاحشة الخبيثة ولكنهم سخروا منه واستخفوا بذلك الإنذار بل هدّدوه بالطرد من قريتهم فقالوا له: (قَالُواْ لَئِن لَّمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ) (الشّعراء:167). وحين أرسل الله إليهم ملائكته لتعذيبهم ونزلوا ضيوفا على لوط وهم على صورة غلمان مرد حسان الوجوه، وتسامع بهم القوم فهجموا على بيت رسولهم يريدون الفاحشة بضيوفه وهو يدافعهم بشدة ويحاورهم بقوله: (فَاتَّقُوا اللهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِيَ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ) (هود:78). وقد عبّر الله هنا بقوله في اختصار: (وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ)، والمراودة هي أن تحمل إنسانا على ما تريده منه في كل شيء، ويغلب استعمالها في الأمر القبيح، أي راودوا لوطا في تمكينهم من ضيوفه لفعل الفاحشة، ولكنهم ما كادوا يقتحمون عليه الذار حتى طمس الله أعينهم، ويراد بالطمس لا مجرّد العمى بل إزالة شقوق العيون من وجوههم كلية كما تقول الرواية، ولم تذكر حادثة الطمس إلا في هذه السورة.

(فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِي): أي أنهم خوطبوا بلهجة التوبيخ والتقريع بأن هذا هو العذاب الذي كذبتم به، والالتفات من صيغة الغائبين إلى صيغة الخطاب فيه تعريض بالمشركين حتى لكأن العذاب حاضر مشهود.

٥٬٧٠٥ / ٦٬٧٦٧