نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الرّحمن

الجزء ١٨ · صفحة ٣٤٢

بعد عرض مشهد العذاب الذي يلقاه الكفّار المجرمون حتى لكأنّه حاضر مشهود ينتقل السياق إلى عرض مشهد النعيم للمتّقين، وكما فصّل الله أصحاب الجنّة أنّهم على فريقين في سورة الواقعة: السابقون المقربون، وأصحاب اليمين تلاحظ هنا نفس التقسيم إذ بدأ بالنعيم الأعلى للسابقين وأعقبه في النصّ اللاحق بالنعيم الأدنى لمن دونهم فقال جلّ من قائل: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ، فَبِأَيِّ ءَالآَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ، فَبِأَيِّ ءَالآَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ، فَبِأَيِّ ءَالآَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ، فَبِأَيِّ ءَالآَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ).

(وَلِمَنْ): اللام للملك. (خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ): أي جنس الخائفين من الله الذين يخشون ربهم بالغيب، فلا يقصّرون في أداء واجب طاعته كما أمر في السّر والعلن حتى ارتقوا في مقامات القربى عند الله فبلغوا بذلك درجة الإحسان هؤلاء بيّن الله جزاءهم فقال:

أ) - (جَنَّتَانِ): هكذا بصيغة التثنية هنا على خلاف ما درج عليه القرآن في ذكر الجنّة بصيغة المفرد أو صيغة الجمع، ولذلك تعدّدت أقوال المفسّرين في تحديد نوعهما فقال البعض: التثنية هنا هي كناية عن التعدد وهو مستعمل في الكلام الفصيح كقوله تعالى: (ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ) (الملك:4). وقيل: إحداهما منزله الخاص به والأخرى لأزواجه وخدمه. وقيل: إحداهما داخل منزله والأخرى خارجه. وقيل: هما جنتان ينتقل من إحداهما للأخرى تفسّحا وتمتعا. وقيل: هما لأعماله العقدية الروحية والأخرى للأعمال البدنية والجنيّ كالآدميّ داخل في الآية لأن الخطاب لكليهما.

وقد وصف الله الجنتين بأوصاف رائعة يتخلل قوله بين وصف وآخر قوله: (فَبِأَيِّ ءَالآَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)، نكرار لنظائره.

٥٬٧٣٩ / ٦٬٧٦٧