نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الواقعة

الجزء ١٨ · صفحة ٣٧٤

ثم فرّع على ذلك التذكير حضّهم على التّصديق: (فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ)، كلّ ذلك بأسلوب فيه تلطّف ورفق والله يأخذ بأيديهم إلى تدبّر ظاهرة ذلك الخلق العجيب كيف تتمّ وكيف تندرج وليس لكم من دور فيها إلا بوضع الحيوان المنويّ في رحم المرأة وتعمل به القدرة الإلهية عملها في تحريك أطوار الجنين حتى يخرج بشرا سويا، فمن غير الله قدّر ذلك وأتمّه خلقا من بعد خلق، وجيء بالاستفهام التوبيخي التقريري لرؤية تلك الظاهرة: (ءَآنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ)، وهل يدّعون أنهم الخالقون لتلك المادة المنوية العجيبة؟. كلا، فإذا أقرّوا بذلك فهم ملزمون بإقرار قدرة الله على إعادة الخلق.

(نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ، عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ): وبصيغة أسلوب العظمة يقدّر الله النهاية للخلق كما قرّر بدايته العجيبة، إن الموت هو نهاية كلّ حيّ، فهو مقدّر في علم الله محدّد في زمانه ومكانه وواقع بأسبابه، ليس لأحد سلطان عليه، بل هو قدر الله لا ينفلت منه أحد: (فَإِذَا جَآءَ اَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) (النحل:61). فلغز الموت لم يجد البشر له حلاّ لمعرفة كيف يقع كما لم يجدوا حلا للغز الحياة كيف بدأ في الأرض وكيف حلّ بها، ليس من محرك لحلقات سلسلتها إلا الله تعالى، فلا يسبقه أحد ولا يضغط عليه أي شيء في تقدير ما يريده في ملكوته، وبالتالي فهو يأتي بأجيال ويذهب بأخرى ليخلف بعضها بعضا حتى تتمّ دورة الحياة الدنيا كما حدّدها في علمه الأزلّي.

وعندما تأتي النشأة الأخرى فإنها تتمّ وفق ما قدّر الله لها على صفات وأحوال لا تعرفونها، وبذلك تتم النشأة في مرحلتيها الأولى والثانية فتصل القافلة البشرية إلى مقرّها الأبديّ:

خلق الناس للبقاء فضلت … أمة يحسونهم للنفاد

٥٬٧٧١ / ٦٬٧٦٧