سورة الحديد
الجزء ١٨ · صفحة ٤٠٠وبأسلوب اللّوم والتّوبيخ وجّه الله الخطاب إلى عناصر ذلك المجتمع الذي يتجاور فيه الإيمان المخلص والنفاق المخادع، ومتطلبات الجهاد في سبيل الله تلحّ عليهم وتدعوهم إلى الإنفاق وما يزال الكثير ممن حول رسول الله حتى من أصحابه الأوفياء لم يتخلصوا من خوف الفقر في تدبير شؤونهم الخاصّة. فجاءت هذه الإيحاءات الرّبانية للتذكير بحقيقة أن الله ملك السّماوات والأرض وأن المال ماله يورثه من يشاء من عباده، فما لهم لا ينفقون في سبيله وما هم إلا مستخلفون فيه؟. وكانت النخبة الممتازة من المهاجرين والأنصار من أمثال أبي بكر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم قد ضربوا أروع المثل في بذل أموالهم وأنفسهم لنصرة الإسلام يوم أن كان محاصرا ومضيقا عليه من طرف المشركين قبل فتح صلح الحديبية أو فتح مكة، لقد أدركوا أن لا عزة للأمة إلا بالتضحيات الجسام فارخصوا أموالهم وأنفسهم دفاعا عن عقيدتهم وحماية لدينهم، ولئن كان الإنفاق في حدّ ذاته فضيلة في سلمّ القيم والأخلاق، فإن المسابقة فيه في ذروة ذلك، يتفاضل فيها المنفقون على حسب أموالهم ودوافعهم، فالسّابقون الأولون ممن أنفقوا قبل الفتح وإن كان ما أنفقوه قليلا من ناحية الكمّ بالقياس إلى ما يملكه من جاء من بعدهم بعد الفتح فإنه تعالى يزن الأعمال بميزان الحق والعدل، فبيّن أن العبرة ليست في الكمّ ولكنها في الدّوافع والنّوايا وبمعيار الظّروف والأحوال المختلفة. فالذين أنفقوا وقاتلوا والإسلام ما يزال مطاردا في عقر داره والعدوّ متوعّد منتفش هم أعظم درجة عند الله من أولئك الذين جاؤوا من بعدهم وقد مالت كفة القوى إلى جانب الإسلام وخضدت شوكة الكفر بعد الفتح.