سورة المجادلة
الجزء ١٨ · صفحة ٤٤٢جاءت هذه الجملة كالتعليل لما سبق من تأكيد النّهي عن النّجوى التي كانت تؤذي المؤمنين وتحزنهم وتخلق جوّا من عدم الثّقة، جاءت مسلية لهم، وذلك بربطها وإلحاقها بوساوس الشّيطان الذي لا يجد إلى نفوسهم سبيلا لقوله تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) (الحجر:42). فقد عرفوا أنه عدوّهم الأكبر، والله يسليّهم بأنه لا يضرّهم بشيء من مكايده إلا بما قدّر الله أن يكون لحكمة يريدها فهم مطمئنون برعاية الله لهم وهو وكيلهم وحاميهم في السّراء والضّراء، ومن يتوكّل على الله فهو حسبه، وتصاريفه تعالى جارية وفق حكمته وعلمه بحنايا النّفوس وتوجهاتها فعلن قدر تمكن الخشية ومراقبة الله يكون التّوفيق وبلوغ القصد.
وفي إطار ذلك الأدب الرّفيع والتّنظيم البديع في الرّفع من المستوى الحضاريّ لذلك المجتمع الفاضل، يأتي هذا النّداء الثّاني لسنّ الآداب اللاّزمة في مجلس الرّسول، وهو النّموذج الأعلى للمجالس المعتبرة في شأن الجماعة قال تعالى: (يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجْلِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللهُ الذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَالذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ).
تتناسب هذه الأحكام وتجرّ التّنظيمات بعضها إلى بعض إذ كلّها تتمحور حول مراعاة مكانة رسول الله والتّأدب معه في الحديث والمجالسة.