نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الحشر

الجزء ١٨ · صفحة ٤٨٢

بعد تحريض المؤمنين على الاهتمام بما يقدمونه من المبرات لليوم الآخر وتحذيرهم من نسيان الله كما وقع في ذلك الفاسقون أعقب ذلك بتعظيم شأن القرآن ونبّه إلى قوّة تأثيره في الدّلالة على مسالك الخير موبخا الإنسان على قساوة قلبه لعدم تدبّره ثم ختم السّورة مشيدا بعظمة منزل القرآن ذي الأسماء الحسنى والذي يسبّح له الوجود كله في تذلّل وخضوع فقال تعالى: (لَوَ اَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الاَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ).

عبّر الله بـ"لو" في فرضية إنزال القرآن على جبل وتصّدعه لقوة تأثيره عليه خشية من الله، وتقدير المعنى: لو كان المخاطب بهذا القرآن جبلا صلدا شامخا وكان ذلك الجبل يفهم الخطاب لتأثر بالقرآن تأثرا بليغا، فكيف بأولئك الذين نسوا الله فقست قلوبهم ولم يتأثروا بمواعظه ولذلك عندما شبه الله قلوب هؤلاء بالحجارة قال: (فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوَ اَشَدُّ قَسْوَةً) (البقرة:74). وهذا مثل يضاف للأمثلة المتقدمة في السّورة، وهو يمثل الصّورة الحقيقية للقرآن في قوة تأثيره وقوة سلطانه على النّفوس مهما اشتدّ عنادها ونفورها فقد حفظت السيرة أخبار أيمة الكفر كيف كانوا يسترقون السّمع لسماعه في جنح اللّيل وهم يتسترون ويريّم بعضهم على بعض إذ ينجذبون لسحر بيانه ويعرفون في قرارة أنفسهم أنّه الحقّ الذي لا يمكن أن يقوله بشر، ويقرب من معنى هذه الآية قوله تعالى: (وَلَوَ اَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الاَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَل للهِ الاَمْرُ جَمِيعًا) (الرّعد:31).

وجواب الشّرط في هذه الآية مقدر أي: لكان هذا القرآن، فلا عجب في أن تتحقق تلك المعجزة الرّوحية في نفوس كلّ من تجاوبوا واهتز كيانهم للقرآن الكريم وجعلت منهم خير أمّة أخرجت للناس.

٥٬٨٧٩ / ٦٬٧٦٧