هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

7

الجزء ١ · صفحة ١٠١

ومثل الختم الطبع والأغفال والأقسام حيث ذكرنا ولا جر فى شىء من ذلك بيل أسند إلى الله - جل وعلا - من حيث إنه خلقهن ووقعن بقدرته وأسنده إليهم لأنهم اكتسبوها باختيارهم ، ووصفت بالقبح وذموا عليها لاختيارهم ، فلا قبح فيها من حيث إنه تعالى خلقها ، بل من حيث إنهم اكتسبوها ، فلا إشكال فى إسنادها إلى الله - جل وعلا - من حيث خلقها . والمعتزلة لما منعوا إسناد القبيح إلى الله تعالى من أى وجه ، أجابوا عن ذلك باوجه ذكرها القاضى الأول : أنه لما أعرض الكفار عن الحق وتمكن ذلك فى قلوبهم حتى صار كالطبيعة لهم ، شبه بالوصف الخلقى المجبول عليه . الثانى : أن المراد به تمثيل حال قلوبهم بقلوب البهائم التى خلقها الله تعالى خالية من الفطن . وقد مر فى كلامى تخريج ذلك على الاستعارة المفردة والمركبة . الثالث : أن ذلك فى الحقيقة فعل الشيطان أو الكافر ، ولكن لما كان صدوره عنه بإقدار الله تعالى إياه ، أسند إليه إسناد الفعل إلى المسبب . الرابع : أن أعراقهم لما رسخت فى الكفر واستحكمت بحيث لم يبق طريق إلى تحصيل إيمانهم سوى القهر والجبر ، ثم لم يقرهم ولم يجبرهم إبقاء على عرض التكليف ، عبر عن ترك التحصيل بالختم فإنه سد لإيمانهم وفيه إشعار عن وقع أمرهم بالكلية فى الغى . ووصول انهماكهم غاية الضلال والبغى . الخامس : أن يكون حكاية لما كانوا يقولنه مثل : ﴿ قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه وفى آذاننا وقر . ومن بيننا وبينك حجاب ﴾ تهكماً واستهزاء بهم ، كما تهكم بهم إذ قال : ﴿ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين ﴾ . الآية كانوا يقولون : لا ننفك عن ديننا حتى يأتى الرسول الموعود به فى التوراة والإنجيل ، فتهكم بذكر ما قالوا ، لأنهم لما جاء كفروا به ، ولو كانغير تهكم لتحقق الانفكاك عند مجيئه لاستحالة تخلف أخباره . السادس : أن ذلك فى الآخرة وإنما أخبر عنهم بالماضى لتحققه وتيقن وقوعه ، ويشهد له قوله جل وعلا : ﴿ ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما ﴾ والسابع : أن المراد بالختم وسم قلوبهم بسيما تعرفهم بها الملائكة فيبغضونهم وينفرون عنهم . والكلام على التعبير بحصول الغشاوة على أبصارهم ، كالكلام على ما قبله فى المجاز والاستعارة ، وفى نفى الجبر على ذلك ، وكيفية التوصل إليه بالأوجه المذكورة وكرر على مع سمعهم ليكون أدل على شدة الختم فى القلب والسمع ، وعلى استقلال كل منهما بالختم . وعطف قوله على سمعهم على قوله على قلوبهم ، لأن القلب البسر لما اشتركا بالإدراك من جميع الجوانب الست ، جعل ما يمنعهما من خاص فعلهما ، الختم الذى يمنع من جميع الجهات ، فإن الأذن تسمع الصوت من أى جهة كان من الجهات كما يدرك القلب الشئ فى أى جهة كان ، ولذلك قلبا أنه معطوف على قلوب ، ولم نقل إنه خبر لغشاوة ، فتعطف عليه على أبصارهم ، وأيضاً يدل على أنه معطوف على قوله : على قلوبهم لا خبر لغشاوة قوله تعالى : ﴿ خَتَمَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾ فجمع القلب والسمع فى الختم ويدل على ذلك أيضاً الوفاق على الوقف عليه ، والإضافة فى سمعهم للحقيقة أو للاستغراق فكأنه جمع كما جمع القلب ولو أفرد القلب على نية تلك الغضافة لجاز ، ولكن خص السمع بالإفراد لأنه فى الأصل مصدر يستعمل فى مقام الأذن ، والكلام فيها والمصدر يكفى بلفظ المفرد مع أنه لا يتوهم الإفراد فيه .

١٠١ / ٧٬٦٨٠