8
الجزء ١ · صفحة ١٠٥﴿ إن الذين كفروا ﴾ ولكن القائلون المذكورون لم يتميزوا فيهم بتعيين ولا بصفة من الصفات تميزهم عن سائر من كفر ، هذا ما قلته ، وقال القاضى : إنه إذا قلنا أل فى الناس للعهد كانت موصولة أريد بها ابن أبى وأصحابه ونظراؤه ، وأنهم من حيث صمموا على النفاق دخلوا فى عداد الكفار المختوم على قلوبهم ، وأن اختصاصهم بزيادة زادوها على الكفر لا يأبى دخولهم تحت هذا الجنس ، فإن الأجنسا إنما تتنوع بزيادة تخلتف فيها أبعادها ، وعلى هذا الوجه تكون الآية تقسيما لقوله : ﴿ إن الذين كفروا ﴾ وعلى الوجه الأول وهو جعل أل فى الناس للحقيقة لا يكون تقسيما ، لكن الأقسام على كل حال ثلاثة : مؤمن خالص ، وكافر خالص ، ومنافق مؤمن بلسانه فقط آمنا بالله واليوم الآخر والرسول والقرآن والملائكة وغير ذلك ، وإنما خص الإيمان بالله واليوم الآخر لذكر تخصيصاً لما هو المقصود الأعظم من الإيمان ، وإظهاراً لما ادعوه من أنهم اشتملوا على الإيمان من جانبيه ، وحازوه كله وإعلاماً بأنهم منافقون فيما ظنوا أنهم فيه مخلصون ، فكيف فيما قصدوا فيه النفاق ، لأن المراد بقوله : ﴿ من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر ﴾ قوم من اليهود ، كابون أبى وأصحابه ومن شايعهم من غير اليهود ، وهم يؤمنون بالله وباليوم الآخر إيماناً خالصاً فى زعمهم ، لكنه فى الحقيقة منتف ، لأن الإيمان بشئ على غير صفته ليس إيماناً على الحقيقة ، فإنهم آمنوا بالله وشبهوه بخلقه فى العباء والحلول ، واتخاذ الصاحبة سبحانه عن ذلك وعن كل نقص ، فكأنهم لم يؤمنوا به ، بل بغيره ، لإن من اتصف بذلك لا يكون إلهاً ، وآمنوا باليوم الآخر ، ولكنهم قالوا إن الجنة لا يدخلها غيرهم ، وإن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة ويظنون أن إيمان المؤمنين مثل إيمانهم ، وأيضاً خص الإيمان بالله واليوم الآخر بالذكر بياناً لتضاعف خبثهم وإفراطهم فى الكفر ، لأن ما قررنا عنهم فى زيغ إيمانهم بالله واليوم الآخر لا يكون إيماناً ولو صدر عنهم على نيتهم المذكورة الزائغة فقط ، فكيف يكون إيماناً وقد قالوا تمويهاً على المسلمين ، وتهكماً بهم ، وإنما أعاد الباء فى قوله وباليوم الآخر إعلاماً بأنهم ادعوا الإيمان بالله على الأصالة والاستحكام ، وباليوم الآخر على الأصالة والاستحكام كذلك ، والقول اللفظ المفيد ، ويطلق على التلفظ بكل ما وضع وضعاً بلغة عربية ولو غير مفيد ، أو غير مركب أو بلغة غير عربية ، أو بلفظ مهمل ، هذا فى اللغة ، لأنه حكاية لما نطق به اللسان كائناً ما كان ، وأما تخصيصه لغير المهمل فإنما هو عندى فى اصطلاح النحويين ، ويطلق على الكلام النفسى وعلى الرأى مجازا ، واختيار بعض المنطنين أنه حقيقة ، ويطلق القول بمعنى المقول أيضاً على المعانى المذكورة كلها إطلاقاً للمصدر ، على معنى اسم مفعول ، واليوم الآخر وقت البعث إلى ما لا نهاية له ، وقيل إلى أن يدخل أهل الجنة وأهل النار النار ، لأنه آخر الأوقات المحدودة .