هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

17

الجزء ١ · صفحة ١٣١

﴿ ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط . . . ﴾ إلخ السورة ، ويجوز حمل القرآن على الاستعمال الأول وهو معنى الشبيه ، لأن ما صدقه راجع إل الثانى ، لأنه سيق للبيان والإيضاح ، ويجوز حمله على الثالث وهو ذو الشأن والغرابة من حال أو صفة أو قصة ، فكأنه قبل صفة هؤلاء المنافقين الغريبة العجيبة الشأن .

﴿ كَمَثَلِ الَّذِى اسْتَوْقَدَ نَاراً ﴾ : أى كصفته الغريبة العجيبة الشأن ، حيث استوقد ناراً فى ظلمة ثم زالت وبقى متحيراً كما قال مولانا جل وعلا :

﴿ فَلَمَّآ آضَآءَتْ ﴾ : أى النار ﴿ مَا حَوْلَهُ ﴾ : ما يقرب منه ويدور به من المواضع ، فأبصر بعد أن كان لايبصر شدة الظلمة ، واستدفأ بعد أن كان مقروراً وآمن ما يخافه .

﴿ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِم ﴾ : أى أذهبه . ﴿ وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ ﴾ : ما حولهم فهم متحيرون عن الطريق خائفون ، فكذلك هؤلاء المنافقون آمنوا ما خيافونه من القتل والأسر والغنيمة والسبى وغير ذلك ، وزوال نعم حين أظهروا كلمة الشهادة وإذا ما يزال عنهم ذلك الأمن كما قال ابن عباس فى القبر وما بعده ، وجاءهم الخوف والعذاب لأنهم أضمروا الشرك ، ومن كان منافقاً بالفسق من أهل التوحيد ، فكذلك لأنهم آمنوا فى الدنيا مما ذكر ، وتوصلوا إلى مناكحة المسلمين وموارثتهم وغير ذلك ، فإذا ماتوا جاءهم الخوف والعذاب ، وزال ما معهم من النور الضعيف القليل الذى حصلوه من التوحيد ، لأنهم لم يحققوه بعمل ، فيجوز أن يكون ذلك مثلا مضروباً لهؤلاء المنافقين بطريقة آخر هو أنه شبه حالهم حين أتاهم الله ضرباً من الهدى وهو التوحيد اللسانى فأضاعوه ولم يدخلوه قلوبهم ، ففاتهم نعيم الأبد بمن أعطى فى ظلمة عظيمة مخوفة نورا ، فلم يتسمك به ولم يحافظ عليه حتى زال ، فكلاهما متحير مضر .

وهذه الآية مقررة وموضحة لقوله تعالى : ﴿ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما رحبت تجارتهم وما كانوا مهتدين ﴾ ، وبطريق آخر هو أنه شبه إيمانهم من حيث إنه سلمت به دماؤهم وأولادهم وأموالهم ، وشاكروا المسلمين فى المغانم والأحكام ، ثم فضحهم الله سبحانه لنبيه A والمؤمنين ، وأظهر نفاقهم فكان لهم اسم المنافق لا اسم المؤمن بنار أوقدت فانتفع بها قليلا فى الظلمة ثم زالت ، وهكذا حال الموحد المنافق بالنظر إلى انكشافه فى الآخرة وقد ينكشف أيضاً فى الدنيا ، فتزول عنه الولاية وتوابعها ، وبطريقآخرى وهو أن نرجع ضمير الهاء للكفار المحض والكفار المنافقين بأن يشبهوا فى إعراضهم عن فطرة الإسلام أى فطروا عليها ، ونمكن عقولهم من نور الهدى بمن لم يحافظ على النور الذى حصل فى ظلمة فضاع عنه ، وبطريق آخر هو أن نرجع الضمير للكفار المحض الباقين على الكفر ، والمرتدين إليه بعد الإسلام والكفار المنافقين ، فإن كلا قد زال عنه نور الإسلام كزوال نور النار فى ظلمة ، وفى معنى ذلك كل من زال عن درجة فى الإسلام إلى ما دونها ، ولو لم يكن يحكم بهلاكه ولا بإطلاق أصم وأبكم وأعمى عليه ، اللهم إلا بقيد النسبة إلى الدرجة التى نزل عنها ، وقال قوم منهم قتادة : إن المعنى أن نطقهم بلا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، والقرآن كإضاءة النار ، واعتقادهم الكفر بقلوبهم كانطفائها ، والمراد بالذى الجنس ، ولذلك عاد عليه ضمير الجمع فى قوله : بنورهم ، أو لكونه نعتاً لمحذوف مفرد فى اللفظ جمع فى المعنى ، كالفريق والفوج والقوم ونحو ذلك ، مما هو مفرد لظفاً جمع فى المعنى ، أو لأن المراد مثل كل واحد منهم ، كثمثل الذى استوقد ناراً ، ووج ههالشبه بين الإسلام والنور أن كلا يزيل الحيرة والهلاك ، وضرب المثل بالنار لأن المستضئ بها مستضئ بنور غيره ، وإذا ذهب بقى فى ظلمة فلما أقروا بدون اعتقاد كان إيمانهم كالمستعار ، ولأن النار تحتاج لمادة الحطب لتدوم ، والإيمان يحتاج لمادة الاعتقاد ليدوم ، واستعمل الذى بمعنى الذين تخفيفاً بإسقاط النون فهى فى الحقيقة لفظ الذين ، أو استعمالا كالموصولات المشتركة مثل من ، وعلى كل وجه روعى لفظه فى استوقد وحوله ومعناه فى نورهم وما بعده إلا على تأويل : مثل كل واحد منهم كمثل الذى فإنه مفرد لفظ ومعنى ، وإن قلت جاز مراعاة .

١٣١ / ٧٬٦٨٠