17
الجزء ١ · صفحة ١٣٥ووجه المبالغة إنما ذهبت به قد أزالته عن موضعه ، وحافظت عليه وأمسكته وما يمسك فلا مرسل له من بعده ، وقرأ اليمانى أذهب الله نورهم بهمزة التعدية لا ببائها ، فليس فيه مجازية الصحبة ، والفرق بين التعدية بالهمزة والتعدية بالباء بما ذكر من المصاحبة مع الباء قول المبرد والسهيلى ، ورده ابن هشام بالآية ، يعنى لأن الله لا يهذب مع شئ ، بل يذهب الشئ ويزيله ، ويرده ما ذكرت من المبالغة والمجاز ، وإنما قال بنورهم ولم يقل بضوئهم مع أن مقتضى اللفظ أن يقال بضوئهم من حيث إنه المذكور فى قوله : ﴿ فَلَمَّآ أَضَآءَتْ ﴾ للمبالغة فينفد إزالة النور عنهم أصلا ، ولو قيل بضوئهم احتمل ذهاب ما فى الضوء من الزيادة ، وبقاء ما يسمى نوراً لأن الضوء فيه دلالة على الزيادة ، ويدل لذلك قوله : ﴿ وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَاتٍ لاَ يُبْصِرُونَ ﴾ وإن مقرر مؤكد فى المعنى ، لقوله : ﴿ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ﴾ حيث ذكر الظلمة التى هى عدم النور وانطماسه بالكلية ونقيضه ، وقيل الظلمة عرض ينافى النور وترك فى الأصل بمعنى طربح وخل متعد لمفعول واحد ، فضمن معنى صير فتعدى لاثنين كقوله :
فتركته جزر السباع ينشنه … ما بين قلة رأسه والمعصم
فجزر ، بفتح الراء ، مفعلو ثان لا حال لإضافته للمعرفة والمضاف للمعرفة معرفة ، والحال لا يكون معرفة ، بخلاف قوله جل وعلا : ﴿ فِى ظُلُمَاتٍ ﴾ فيحتمل التعليق بمحذوف مفعول ثان ، أ بمحذوف حال والتعليق بترك وجزر السباع شاة لسباع ، والجزر الشاة المعددة للذبح ، وجمع الظلمة ونكرها ووصفها بأنها ظلمة لا يمكن فيها الإبصار إبصار شئ ما للتعظيم والمبالغة ، فذلك أيضاً من مؤكدات قوله : ﴿ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِم ﴾ وقرأ الحسن بإسكان لام ظلمات ، وقرأ اليمانى فى ظلمة بالإفراد ، والظلمات ظلمة الكفر ، وظلمة النفاق ، وظلمة يوم القيامة : ﴿ يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ﴾ أو ظلمة الضلال ، وظلمة سخط الله تعالى ، وظلمة العقاب الدائم ، أو كل ذلك ، والجمع للتنصيص على الأنواع مجملة ، وغلا فالظمة مصدر يصلح لذلك ولو مفرداً ولذا قرأ اليمانى بالإفراد ، واشتقاق الظلمة من معنى قولك : ما ظلمك أن تفعل كذا ، أى ما منعك ، لأن الظلمة تسد البصر وتمنع الرؤية . قاله الزمخشرى والقاضى .
والمشهور أن أصل الظلم معنى النقص كقوله تعالى : ﴿ ولم تظلم منه شيئاً ﴾ أو معنى وضع الشئ فى غير موضعه ، كما قال الجوهرى ، وقد يجتمع بين ذلك بأن مرادهم المنع عن عدم النقص والمنع عن وضع الشئ فى موضعه ، ونصر فى الأصل متعد ونزل هنا منزلة اللام لعدم تعلق الغرض بمفعوله المطروح ، فليس مفعوله مقدرا مبينا الكلام على تقديره ونيته ، وجملة لا يبصرون مفعول ثان بعد مفعول ، أو لمحذوف حال ، أو حال من الهاء كما فى ظلمات حال منها .