هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

17

الجزء ١ · صفحة ١٣٤

﴿ فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ﴾ ومادة الحوق تدل على الدوران والتغير والانقلاب والظهور ، سواء كانت على هذا الترتيب - ح و ل أم لا ، فسمى مايقرب من المستوقد حولا لاستدارته به ، وسمى العام حولا لأنه يدور ، وحال الشئ واستحال تغير ، وحال عن العهد انقلب وتحول إلى مكان ، ولاحه السفر غيره ، ولاح النجم ظهر ، ووحل بالكسر وقع فى الوحل وهو الطين ، كما أن مادة كمل للقوة ككمل وكلم وملك ومكل ولكم ، وجواب لما هو قوله D : ﴿ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ﴾ ، ولم يقل بنارهم مع أنه مقتضى الظاهر ، لأن النور هو المراد من إيقادها ، ولأن الممثل لهم وهم المنافقون إنما يذهب عنهم نور الإيمان ، ويجوز أن يكون جواب لما محذوفاً للإيجاز وأمن اللبس ، لدلالة المقام لعيه ، وفى حذفه بلاغه كأنه قيل : فلما أضاءت ما حوله خمدت فبقوا خابطين فى ظلام ، متحيرين على خمودها بعد طلب إيقادها وعلاجه ، وإذا قلنا بحذف جوابها كانت الهاء فى قوله : ﴿ نُورِهِمْ ﴾ عائدة إلى المنافقين ، وكانت جملة : ﴿ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ﴾ إما بدلا من قوله : ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ ﴾ مع الجواب المحذوف ، وهو بدل نحوى لأن التحقيق ألا يشترط فى إبدال الجملة من جملة وجود محل الإعراب للجملة الأولى المبدل منها ، ولو قال كثير باشتراطه ، وفائدة ذلك البدل البيان ، وقد أجاز الزمخشرى والقاضى الإبدال هنا ، وهو طبق ما ذكرت من عدم الاشتراط ، اللهم إلا أن يراد البدل اللغوى وهو أعم لا البدل الصناعى ، وأن معنى البدلية قيام الجملة مقام الجملة التى وقع بها التمثيل فى المعنى مع غفادة إيضاح ، وإما استئنافاً بيانيا كأنه قيل : ما بالهم شبهت حالهم بحال الذى استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله خمدت ، فقيل ذهب الله بنورهم ، وليس هذا الوجه ضعيفاً لأن هذا السؤال لا يغنى عنه ، فلما أضاءت ما حوله لحذف جواب لما وهو الخمود ، وإن قلت : إن زوال نور الإيمان بفعلهم واختيارهم إذا اعتبرناه الفطرة التى فطروا عليه أو تمكنهم منه ، فكيف شبه بمن زال نور ناره بلا فعل منه واختيار ، بل بإذهاب الله؟ قلت : ساغ ذلك لأن المستوقد للنار هو أيضاً فاعل فى زوال نورها بتضييع أو تعمد يعقبه الندم ، لكن فعله مخلوق لله D ، فقال : ﴿ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ﴾ أو لأن الإزالة بسبب خفى فنسب لله ، سواء كان للمستوقد فيه فعل أو لم يكن ، أو لأنها حصلت بأمر سماوى كريح أو مطر ، أو نسبت الإزالة إلى الله تعالى نسبة الفعل إلى الفاعل ، من حيث إنه فاعل لا إلى الخالق من حيث إنه خالق ، وذلك مجاز ومبالغة كما تقول : ذبحه الله مجازاً أو مبالغة ، ولك أن تقولك إن المستوقد استوقد نار فتنة وعداوة للإسلام ، فأضاءت ترشيح أو نار حقيقة فى معصية فأطفأها الله كما عاقبهم بعد اختيارهم ونسبتهم بالخذلان وعدم إلقاء حلاوة الإيمان فى قلوبهم ، فأطفئ عنهم نور الإيمان ، ففى هذين الوجهين اعتبر أن المطفئ هو الله فى جانب المشبه والمشبه به ، إما إن قلنا زوال نورهم بالموت أو بالافتضاح فالإطفاء فى الجانبين من الله D ، والباء للتعدية كالهمزة ، إلا أن معها استصحابا وليس مع الهمزة ، يقال : ذهب زيد بعمر وأى أذهبه ومضى معه ، ويقال أذهبه أى جعله ذاهباً سواء ذهب معه أم لا ، فإذا ذهب معه فليس لفظ أذهب هو الدال على المصاحبة ، فعبر بالباء فى الآية للمبالغة لدلالتها لعى المصاحبة وذلك مجاز لأن الوصف بالذهاب وصف بالمكان والحيز والانتقال ، تعالى الله عنه .

١٣٤ / ٧٬٦٨٠