هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

18

الجزء ١ · صفحة ١٣٧

وقال آخر :

* أصم عما ساءه سميع * … وقال آخر :

أصم عن الشئ الذى أريده … وأسمع خلق الله حين أريد

وقال آخر :

وأضممت عمراً وأعميته … عن الجود والفخر يوم الفخار

وكل من لفظ أصم وأبكم وأعمى صفه مشبه لا اسم تفضيل ، والآية من باب الاستعارة التصريحية باعتبار كل واحد من لفظ صم ولفظ بكم ولفظ عمى ، فتلك ثلاث استعارات أو ذلك كله استعارة تمثيلية ، وإنما قلت بأن ذلك من الاستعارة مع كون المشبه والمشبه به كليهما مجتمعين فى الكلام ، من حيث إن المشبه به خبر للمشبه المحذوف المقدر المجعول من أجزاء الكلام ، فكأنه مذكور ، أى هم صم بكم عمى ، أو هؤلاء صم بكم عمى ، لأنه لا فرق عندى فى الاستعارة بين عدم كون المشبه من أجزاء الكلام ، وكونه من أجزائه مذكوراً أو مقدراً ، إذا لم يقصد المتكلم التشبيه ، بل قصد أن امشبه هو نفس المشبه به مبالغة ، فقولك فى زيد المقدام زيد أسد استعارة وهو مختار السعد ، وكذا قال السبكى مؤلف « جمع الجوامع الأصولى فى شرح تلخيص القزوينى » بجواز ذلك ، إذ قال ما حاصله إنه تارة يقصد فى نحو زيد أسد التشبيه بأدة مقدرة فلا استعارة ، وتارة لا بقصد فيكون لفظ أسد مستعملا فى حقيقته ، وذكر زيد والإخبار عنه به قرينه صارفة إلى الاستعارة ، فيكون لفظ أسد استعارة ، ولا تنافى الاستعارة كونه مستعملا فى حقيقته ، لأن معنى كونه فى حقيقته أنه ليس على طريق التشبيه والاستعارة ، إنما هى فيه نم حث إنه على حقيقته وادعى أن زيداً أسد حقيقته هكذا ظهر فى توجيه كلامه ، وقال قوم منهم الزمخشرى والقاضى : إن الآية والمثال ونحوهما ليست على الاستعارة ، بل تشبيه بليغ ، لأن المشبه مذكور أو مقدر الذكر بناء على الاشتراط فى الاستعارة ألا يذكر المشبه ، ولا يكون محذوفاً مقدراً من أجزاء الكلام ، بل يطوى عنه بحديث يمكن حمل الكلام على المشبه به لولا القرينة ، وبحيث يقبل ظاهر الكلام الحمل على الحقيقة ، وإذا قلت فى الضال السامع بالإذن مجرد السمع إنه أصم لم يكن لعارفه أنه سامع أن يحمل ظاهر الكلام على الصمم الحقيق ، وإذا قلت فى زيد المقدام زيد أسد لم يقبل ظاهر الكلام أنه أسد حقيقى .

وكذا قول عمران بن حطان C فى الحجاج :

أسد على وفى الحروب نعامة … فتخاء تنفر من صفير الصافر

وتفخاء مسترخية الجناح ، والنعامة مثل فى الجبن بخلاف قول زهير :

لدى أسد شاكى السلاح مقذف … له لبد أظفاره لم تقلم

فإنه لم يذكر لفظ المشبه ولا نورى ذكره فحذفه ، فاحتمل ظاهر الكلام لولا القرينة الحمل على الحقيقة ، والقرينة هى لدى ، وشاكى السلام أى تامة تجريد عن بعض المبالغة فى جعل الشجاع من جنس السبع ، لأن تمام السلاح مما يلائم المشبه ، وأصل شاكى شائك أخرت الياء عن الكاف فلم تقلب بعدها همزة كما قلبت إذا كانت قبلها ، وقد تحذف الياء المنقلبة همزة قبل الكاف فيعرب على الكاف ، كما إذا ثبتت ، ويحتمل حذفها بعد تأخيرها عنها ، وفيه ضعف لان فيه خروجاً عن اللأصل مرتين : التأخير والحذف ، غير أن الحذف من الآخر أنسب ولو كان الآخر فى نية التقديم ، ومقذف مرمى باللجم أى مكثر فيه أو مرمى به فى الحروب ، وله لبد ترشيح وتقوية للمبالغة ، لأنه ملائم المشبه به ، فإن اللبد الشعر المتلبد على رقبة الأسد ، ومعنى أظفاره لم تقلم لم يعتره ضعف ، لأنه يقال فلان مقلوم الأظفار أى ضعيف ، ويحتمل أن يكون المراد ظاهره من عدم تقليم الأظفار ، فإن السبع لا تقلم أظفاره بخلاف الإنسان فيكون ترشيحاً آخر ، وقد تكلمت فى شرحى على شرح عصام الدين على البيت ، وترى الآيتين بالأمر الفلق ، بكسر اللام ، أعنى العجيب يعرضون عما يوهم التشبيه إعراضاً إذا أراد إكثار المبالغة ، وتأتون بما ينافيها كقول أبى تمام :

١٣٧ / ٧٬٦٨٠